إذا كان وزراء التيار الوطني الحر وحزب الله نجحوا مرّة أخرى في تعطيل مجلس الوزراء وبالتالي التمادي في شل العمل الحكومي بحجة أن لا صوت يعلو فوق صوت التعيينات الأمنية قافزين بذلك فوق قرار وزير الدفاع بتأجيل تسريح قائد الجيش مُـدّة سنة بسبب تعذر اتفاق مجلس الوزراء على الاتفاق على واحد من الجنرالات الستة التي رشحها لهذا المنصب، وإذا كان التيار أنزل جماعته إلى الشارع لزرع الفوضى وزعزعة الأمن، وتخويف المواطنين، وتهريب آخر سائح عربي أو أجنبي خاطر بنفسه وأتى إلى هذا البلد الذي كان قبلة السيّاح العرب والأجانب عندما كان ينعم بالوفاق السياسي والأمن والاستقرار، إذا كان نجح في ذلك، فقد سقط في نظر اللبنانيين حتى في نظر جماعته من محازبين ومناصرين بدليل قلة عدد الذين نزلوا إلى الشارع بعد تحريض رئيس التيار العماد عون، وعدم جديتهم في البقاء بالشارع لولا الحضور الكثيف لوزراء ونواب التيار والمسؤولين الحزبيين مما يدل على ضيق هؤلاء بسياسات عون الهدّامة وإن غلّفها بالعنصرية الطائفية والدفاع عن حقوق المسيحيين، وكأن هناك حقوقاً مغتصبة لهم من قبل شركائهم في الوطن، في وقت تؤكد الوقائع وكل الأدلة أن لا افتراء من أي من الطوائف على طائفة أخرى، سواء على صعيد المناصفة بين النواب والوظائف القيادية وحتى غير القيادية سواء على صعيد الشراكة في السلطة وفي كل السلطات الأخرى والذي طبّق من اتفاق الطائف حتى الآن وليست الطائفة الإسلامية السنية المسؤولة عن عدم تطبيقه كلّه، راعى هذا التوازن في السلطة وحافظ على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين كما أبقى على بعض الامتيازات التي كانت للمسيحيين قبل اتفاق الطائف مثل قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان ورئاسة مجلس القضاء الأعلى ومديرية المخابرات في الجيش وغيرها كثير من هذه الامتيازات، فكيف إذاً يدّعي عون بأن «ثورته» وفوضاه وتعطيله ما تبقى من مؤسسات الدولة بعدما عطّل رئاسة الجمهورية المخصصة للمسيحيين وهي رأس الدولة وناظمة المؤسسات الدستورية قرابة السنة ونصف كلها من أجل استعادة حقوق المسيحيين ويتهم شركاءه في الوطن والمواطنة بالافتئات على هذه الحقوق، إلا إذا كانت له غايات أخرى طلبت منه من قبل من يحمون تصرفاته، وقد تكفل بتنفيذها حتى ولو لم يبقَ أحد من المسيحيين في هذا البلد النموذج في التعددية والتنوع، وتوزيع السلطة والعيش المشترك، وبالأصح العيش الواحد الذي يحكمه دستور ارتضاه اللبنانيون جميعاً بملء إرادتهم وبالإتفاق في ما بينهم، ونعني بذلك إيصال البلد من خلال تعطيل المؤسسات وشلّها إلى حالة الفوضى العارمة التي لا تتوقف إلا بإنشاء هيئة تأسيسية تبحث في إعادة تكوين السلطة وإعادة توزيع الحصص على الطوائف، ما يؤدي حتماً إلى إلغاء التعددية والتنوع والمناصفة وهيمنة الأكثرية على الأقلية، فهل يريد رئيس التيار البرتقالي إغتيال الوطن؟ نأمل أن لا يكون قد وصل به الأمر إلى هذا الحدّ.