ساعات قليلة على مجزرة دوما وفيما دم ضحاياها لا يزال ساخناً على أرض سوق الخضار المنكوبة، كشفت كل من روسيا وإيران موقفيهما غير المستور أصلاً، من الاستهانة بدم الشعب السوري وتمسكهما ببشار الأسد على الرغم من ارتكابه جرائم إبادة يعاقب عليها القانوني الدولي، من القتل بالسلاح الكيميائي إلى القتل بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية، فيما العالم الشاهد الصامت على تلك الجرائم ليس أقل مسؤولية عن إبادة العصر المتواصلة.
آخر تلك المجازر ما حدث في دوما الأحد الماضي حيث قتل مئة مدني وجرح أكثر من 300، واقترفت تلك المجزرة بينما كان مبعوث الأمم المتحدة ستيفن اوبراين يعقد اجتماعاً مع مسؤولي النظام في دمشق، الأمر الذي هاله وصدمه.
ولا يقلل من مسؤولية المجتمع الدولي عن هذا القتل اليومي كل المواقف الشاجبة، وخصوصاً التي جاءت أمس من الولايات المتحدة، وفيها إدانة بـ«استخفاف» الأسد بـ«حياة البشر» بعد قصف دوما «الوحشي».
ففي موسكو كرر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف في مؤتمر صحافي مشترك دعم بلديهما للأسد المسؤول الأول عن نحو ربع مليون شخص سقطوا منذ سنة 2011.
وقال لافروف، «إذا اعتقد بعض شركائنا أن علينا أن نوافق مقدماً على أن يترك الرئيس منصبه بنهاية فترة مؤقتة، فلن يكون مثل هذا الموقف مقبولاً بالنسبة لروسيا(...) إن مصير الأسد لا يمكن تقريره إلا من خلال محادثات بين ممثلي حكومته ومنافسيه«.
وقال وزير الخارجية الروسي: «نقولها صراحة ومن دون خجل، إننا نتقاسم فكرة التسوية السلمية للأزمة مع معظم من حاورناهم أو التقيناهم من مسؤولي مختلف البلدان، وكذلك نعلنها صريحة أننا لا نتفق معهم في طريقة الوصول إلى التسوية المنشودة، كما لا نتفق معهم حول مصير الرئيس الشرعي المنتخب للبلاد، فنحن نرى أنه لا يمكن التوصل لحل من دون مفاوضات مباشرة مع حكومة الرئيس الأسد«، وتابع «وإذا ما أراد أحد شركائنا أن يضع شرط خروج الأسد أو تنحيه في نهاية الفترة الانتقالية، فإن ذلك مرفوض تماماً من روسيا«.
وهي تصريحات كررها ظريف الذي قال: «يجب الجلوس الى طاولة المفاوضات والتوقف عن ادعاء أن إحدى مجموعات المعارضة تملك كل الشرعية وأنها تمثل وحدها الشعب السوري، يجب أن تمثل جميع أطياف المعارضة في الوفد المفاوض، والذي يجب عليه أن يتعامل ويفكر بطريقة عملية ومن دون شروط مسبقة للحوار مع ممثلي حكومة البلاد الشرعية، هذا هو موقفنا ولن نتراجع أو نتخلى عنه«.
وفي جنيف، دان المبعوث الخاص للأمم المتحدة الى سوريا ستيفان دي مستورا أمس، الغارات الجوية على سوق في بلدة دوما. وقال في بيان إن «قصف الحكومة لدوما أمس كان مدمراً فالهجمات على المناطق المدنية وإطلاق قنابل جوية بشكل عشوائي وكذلك القنابل الحارقة أمر يحظره القانون الدولي». وأضاف أن هذه القنابل «ضربت تجمعاً للمواطنين» و»قتلت نحو مئة منهم» في سوق المزدحمة وسط دوما. واعتبر أنه «من غير المقبول أن تقتل حكومة مواطنيها بغض النظر عن الظروف».
لكن المبعوث الدولي ساوى بين مجزرة دوما المروعة وقصف مجموعات معارضة لدمشق الأسبوع الماضي، فضلاً عن قطع إمدادات المياه، «وهذه تدابير تؤثر في المدنيين وهي غير مقبولة«، وفق دي ميستورا الذي أكد أنه «يجب ضمان وصول المساعدات الإنسانية بدون قيد أو شرط ويجب أن يتوقف القتل، حل هذا الصراع لن يكون بطريقة عسكرية، كما تم إثبات ذلك في السنوات الأخيرة».
وكان مدير العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين أعرب من دمشق عن «ذهوله» إزاء مجزرة دوما في اعتداء يُعد من بين الأكثر دموية منذ بدء النزاع عام 2011.
وقال أوبراين خلال مؤتمر صحافي الاثنين في دمشق «هالتني أخبار الضربات الجوية أمس على وجه الخصوص» والتي «تسببت في سقوط عشرات القتلى من المدنيين ومئات الجرحى في وسط منطقة دوما المحاصرة في دمشق».
وأضاف «أصبت بالذهول من جراء التجاهل التام لحياة المدنيين في هذا الصراع»، مشدداً على أن الاعتداء على المدنيين «غير قانوني وغير مقبول ويجب أن يتوقف».
وناشد المسؤول الأممي الذي اختتم أمس زيارته الى دمشق «كل أطراف هذا النزاع الطويل حماية المدنيين واحترام القانون الإنساني الدولي».
وفي واشنطن، دانت الولايات المتحدة أمس «بشدة» الغارات «الوحشية» التي شنها النظام السوري الأحد على بلدة دوما في ريف دمشق وخلفت نحو مئة قتيل، منددة بـ«استخفاف النظام (السوري) بحياة البشر».
وكررت الخارجية الأميركية في بيان أن واشنطن «تعمل مع شركائها من أجل انتقال سياسي فعلي يقوم على التفاوض بمعزل عن الأسد».
وكانت مدينة دوما الواقعة في الغوطة الشرقية، أبرز معاقل مقاتلي المعارضة في محافظة دمشق، تعرضت لسلسلة غارات جوية شنها الطيران الحربي التابع للنظام السوري الأحد واستهدفت سوقاً شعبياً مكتظة بالسكان، وذلك قبل أيام من الذكرى السنوية الثانية لهجوم بالسلاح الكيميائي استهدف المنطقة ذاتها في 21 آب 2013 وأوقع مئات القتلى.
وأعرب مجلس الأمن الدولي أمس عن دعمه لخطة سلام جديدة في سوريا تبنتها للمرة الأولى خلال عامين روسيا والدول الـ14 الأعضاء الأخرى. وهي أول خطة سياسية تتعلق بالنزاع السوري التي تتفق عليها جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بالرغم من التحفظات التي أعربت عنها فنزويلا.
ووصف مساعد الممثل الدائم لفرنسا لدى الامم المتحدة الكسي لاميك هذا التفاهم حول المبادرة من أجل محادثات سلام بأنه «تاريخي«. وقال «للمرة الأولى خلال عامين، يتوحد مجلس الأمن ويوجه رسالة دعم لعملية سياسية في سوريا«.
واعتبر سفير فنزويلا لدى الأمم المتحدة رافاييل راميريز أن هذا البيان يشكل «سابقة خطيرة جداً« بدعمه عملية انتقالية تنتهك كما قال حق السوريين في تحديد المصير.
والمبادرة التي ستنطلق في ايلول ستتيح تشكيل اربع مجموعات عمل حول الأمن والحماية ومحاربة الإرهاب والمسائل السياسية والشرعية وكذلك إعادة الإعمار.
ودعا مجلس الأمن الى وضع حد للحرب من خلال «إطلاق عملية سياسية تقودها سوريا نحو عملية انتقالية سياسية تعبر عن التطلعات المشروعة للشعب السوري«. وتتضمن المرحلة الانتقالية «تشكيل هيئة قيادية انتقالية مع سلطات كاملة وعلى أن تشكل على أساس تفاهم متبادل مع تأمين استمرارية عمل المؤسسات الحكومية«.
(أ ف ب، رويترز، السورية نت)