نفذ تنظيم «الدولة الإسلامية ـ داعش»، يوم أمس، اختراقاً جديداً للمنظومة الأمنية في مصر، بعدما استهدف بشاحنة مفخخة مقر جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) في منطقة شبرا الخيمة، إحدى ضواحي مدينة القاهرة.
اللافت للانتباه في هذا التفجير كان حجمه وضخامته، بالرغم من أن المقر الأمني المستهدَف يقع على الأطراف الشمالية للقاهرة، إلا أن أصداء دوي الانفجار ترددت على مسافات بعيدة في العاصمة المصرية، ما سمح بانتشار شائعات كثيرة، من بينها وقوع سلسلة تفجيرات في أحياء الدقي وأمبابة وغيرهما، قبل أن تتضح حقيقة الصورة.
وبحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية المصرية فإن شاحنة صغيرة توقفت في محيط مبنى الأمن الوطني في شبرا الخيمة شمال القاهرة، وغادرها السائق مستقلا دراجة بخارية كانت بانتظاره، وانفجرت بعد ذلك الشاحنة المفخخة مخلفة أضرارا في المبنى وستة جرحى من رجال الأمن،
لكن وسائل الإعلام نقلت عن مصادر في وزارة الصحة أن عدد المصابين الإجمالي جراء التفجير بلغ 29 مصابا معظمهم من المدنيين، وإصابات غالبيتهم، طفيفة ومتوسطة، ولا توجد حالات حرجة.
وفي وقت لاحق، تبنى تنظيم «الدولة الإسلامية» التفجير. وأضاف التنظيم المتشدد، في بيان نشره عبر موقع «تويتر»: «تمكن جنود الدولة الإسلامية من استهداف مبنى جهاز أمن الدولة بقلب القاهرة في منطقة شبرا الخيمة بسيارة مفخخة مركونة».
وأضاف التنظيم الإرهابي: «جاءت العملية ثأرا لإخواننا شهداء عرب شركس وجميع شهداء المسلمين»، في إشارة إلى تنفيذ السلطات المصرية في أيار الماضي حكم الإعدام بحق ستة متهمين إسلاميين في قضية معروفة في مصر باسم «خلية عرب شركس».
التفجير يمثل العملية الأولى للجماعات التكفيرية بعد إصدار قانون مكافحة الإرهاب قبل أيام، كما أن استهدافه لأحد أهم المقار الأمنية يمثل رسالة تحدٍّ واضحة للأجهزة المنوط بها مواجهة الجماعات المسلحة.
وبرغم توقع أجهزة الأمن وقوع عمليات إرهابية خلال افتتاح قناة السويس الجديدة، في السادس من آب الحالي، وفي ذكرى فض اعتصام «رابعة العدوية» في الرابع عشر من آب، إلا أن تفجير شبرا الخيمة قد تفادى المواعيد المحتملة، بما تشهده من حالة استنفار وتشديد يصعب أي عمل، واعتمد منفذوه على الاسترخاء الذي يعقب الاستنفار مباشرة.
الانفجار الذي لم يوقع خسائر في الأرواح، في منطقة مكتظة بالسكان، كان من القوة بحيث أدى لأضرار بالمباني على نطاق واسع، ما يُذَكِّر بالانفجار الذي وقع في محيط القنصلية الإيطالية قبل أسابيع، في إحدى أكثر مناطق القاهرة ازدحاما وأدى إلى أضرار جسيمة في المباني في مساحة واسعة، بالإضافة إلى سقوط ضحية واحدة وعدد من المصابين.
واللافت للانتباه أن تفجير شبرا الخيمة قد حمل بصمات «الدولة الإسلامية» وهو التنظيم الإرهابي نفسه الذي أعلن عن مسؤوليته عن تفجير القنصلية الإيطالية.
التفجير الذي وقع في منطقة مكتظة وفي وقت يخلو تقريبا من المارة، قد يحمل رسالة من قبل تلك الجماعات التكفيرية، مفادها أن بمقدورها إسقاط الكثير من الضحايا ولكنها تحجم عن ذلك طواعية، وهو ما يرجحه انصراف العمليات الإرهابية في الفترة الأخيرة عن أهداف كانت تبدو تقليدية في ما سبق، مثل الكنائس والمناطق السياحية. كما أن ذلك بدا واضحا عند كشف عبوة ناسفة في مطار القاهرة قبل فترة من انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، ومعها رسالة تهديد.
إذا كان تفادي سقوط الضحايا في العمليات الإرهابية مقصودا بالفعل، فسيكون الهدف منه تخفيف الخصومة مع الرأي العام، ومناقضة الدعاية الرسمية التي تعتبر الجماعات المسلحة تستهدف المجتمع ككل.
ولكن هذا الاحتمال ينفيه اللواء عادل سليمان، مدير «مركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية» في حديثه إلى «السفير»، قائلا إن «عدم سقوط ضحايا في الانفجار ناتج عن الصدفة فقط، وربما كان الإرهابيون مجبرين على العمل في أوقات تخلو من المارة والزحام، لأسباب أمنية. كما أن التفجيرات في حد ذاتها تخلق عداء بين تلك الجماعات والجمهور. ولا أحد يمكنه كسب الرأي العام عبر العمل الإرهابي، خاصة أن هناك مصابين وخسائر مادية. كما أن تلك الجماعات لا يمكنها أبدا التحكم في عدد الضحايا مهما اتخذت من احتياطات والصدفة فقط منعت وقوع ضحايا».
ويضيف سليمان: «العملية تحمل رسالة لأجهزة الأمن مفادها أن تلك الجماعات قادرة على التحرك في القاهرة وتفخيخ سيارات وتركها في أي مكان. كما أن استهدافها أجهزة الأمن وأفراده يحمل التحدي نفسه. وبشكل عام تضع الجماعات الإرهابية اليوم نصب عينيها أفراد الأمن ومنشآته كأهداف لها وليس الكنائس والمنشآت السياحية».
اختيار موعد لاحق على ذكرى فض اعتصام «رابعة العدوية»، وتوجيه الضربة إلى منشأة أمنية مهمة في القاهرة، قد يعنيان تطوراً في قدرات الجماعات المسلحة على التخطيط والتنفيذ، وقد يعني أيضا أن خياراتها أصبحت محدودة.
أحمد بان، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، يقول لـ «السفير» إن «تلك الجماعات لا تضرب وفق مناسبة بعينها، ولكنها تختار الوقت الذي يناسبها من الناحية الأمنية، وكذلك النقطة الرخوة لتضرب فيها».
ويضيف بأن «هناك حالة من الاستنفار الأمني والتشديد الموسمي في مناسبات بعينها، مثل ذكرى فض اعتصام رابعة، هذا الاستنفار تليه حالة استرخاء»، لافتاً إلى إن «هذه الجماعات ترصد أداء الأمن وتختار موعد عملياتها على أساسه، كما أن تضييق الخناق عليها في سيناء يدفعها إلى محاولة العمل في الوادي والدلتا. وفي هذا السياق، تأتي عملية مبنى الأمن الوطني في شبرا».
وعن تفادي تلك العمليات المحتمل لسقوط ضحايا مدنيين يقول بأن «بعض الجماعات المسلحة تحتاج إلى حاضنة شعبية، سواء لكسب عناصر جديدة لصفوفها، أو حتى لتفادي العزلة داخل المجتمع، لذا، لربما تحاول أن تبدو في مواجهة مع النظام وأجهزته فقط، وليس في مواجهة المواطنين. وقد تحرص على تحديد أهداف بعيدة عن المدنيين أو تحديد أوقات تخلو من الناس حتى تتفادى سقوط ضحايا، وتأكيد أن خصومتها ليست مع الناس».
سواء كان تفادي سقوط الضحايا المدنيين مناورة لتفادي عزلة الجماعات المتشددة، أو ضرورة لاحتياطات وتحرٍّ للأماكن والمواعيد الأسهل أمنياً، فإن تجول سيارات مفخخة في العاصمة وانفجارها أمام منشآت أمنية ودبلوماسية يعني أن الخطر قائم، وأن الطرق التي يُواجَه من خلالها هذا الخطر لم تؤت ثمارها وربما ينبغي إعادة النظر فيها.