أقدم تنظيم «داعش» الإرهابي على هدم دير مسيحي تاريخي يعود الى القرن الخامس ميلادياً، في مدينة القريتين، في وسط سوريا، التي سيطر عليها قبل نحو أسبوعين وخطف حينها نحو 230 مدنياً من سكانها.
ووصف الرئيس سعد الحريري ما أقدم عليه «داعش» بـ«العمل الدنيء الذي يُضاف إلى سجل التنظيم الإرهابي».
وأكد الحريري في دردشة له عبر موقع «تويتر» أن هذه الجريمة «اعتداء صارخ على أنبل القيم التي ترعى العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين»، معتبراً أن «جرائم داعش وجرائم بشار بحق الأبرياء، وجهان لمشروع واحد عنوانه تدمير سوريا».
وكان مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن قال لوكالة «فرانس برس» أمس إن داعش «هدم أمس دير مار إليان الواقع في مدينة القريتين في ريف حمص مستخدماً الجرافات «بحجة أنه يعبد من غير الله، أي بما يخالف عقائده الدينية».
ونشر «داعش» صوراً تحت عنوان «هدم دير مار إليان» تظهر الدير وجزءاً من محتوياته وأخرى تظهر جرافة وهي تعمل على هدم جزء منه.
ويأتي هدم التنظيم للدير بعد سيطرتة في الخامس من آب على مدينة القريتين وخطفه 230 مدنياً من سكانها بينهم ستون مسيحياً، أفرج عن 48 منهم على دفعات وفق المرصد.
وخطف ثلاثة مقنعون الأب مراد من دير مار إليان بعد سيطرة «داعش» في 21 أيار على مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص. وأكد المرصد الآشوري لحقوق الإنسان أن مصير رئيس الدير الأب جاك مراد لا يزال مجهولاً.
ويقع الدير في شارع طرفة بن العبد بالقرب من بوابة تدمر داخل حمص القديمة، ويُقام عيد القديس إليان سنوياً في 6 شباط وهو ما يجذب عدداً كبيراً من الزوار والسياح، وتعتبر كنيسة دير مار إليان أحد رموز مدينة القريتين ويعود تاريخها للقرن الخامس ميلادي.
وفي نهاية عام 1969 عندما تسلم المطران الكسي عبد الكريم أمور أبرشية حمص تقرر بالتعاون مع عمدة دير القديس إليان ترميم الكنيسة المذكورة التي كانت في الآونة الأخيرة مغلقة في معظم أيام السنة فأخذ العمال يقومون بقشر الطبقة القديمة من الكلس التي تكسو جدرانها والتي كانت قد بدأت بالتفتت وذلك لطلائها بطبقة جديدة من الإسمنت.
وفي أيار 1970 عندما وصلوا بالعمل إلى القبة التي تحيط به ظهرت تحت القشرة الخارجية رسوم جدرانية قديمة (على طريقة الفريسك) وتكشف هذه الرسوم صوراً للسيد المسيح وصوراً لمريم العذراء وبعض الأنبياء والقديسين، كما تحمل كتابات باللغة اليونانية واللغة العربية. وفي 25 أيار 1970 تم إبلاغ المديرية العامة للآثار والمتاحف عن هذا الاكتشاف فأوفدت خبراءها لترميم هذه الرسوم وأخذت التدابير اللازمة لحفظها من الرطوبة وتأثير النور.
ومن ثم قرر المطران الكسي تزيين الكنيسة بكاملها برسوم جدرانية فريسك فكلف بهذه المهمة الرسامين الأخوين جبرائيل وميخائيل موروشان من كنيسة رومانيا وقد دامت هذه الأعمال من 12 نيسان لغاية 28 تشرين الأول 1973 وبذلك تم تزيين كل جدران الكنيسة وأقبيتها وسقفها وتشكل مساحة قدرها 800 متر مربع برسوم مختلفة من حياة السيد المسيح وصوراً لعدد من القديسين ومشاهد من حياة القديس إليان. وتحول الدير الذي نشطت فيه خلال العقدين الأخيرين الرهبنة التابعة للأب الايطالي باولو دالوليو المخطوف منذ تموز 2013 في مدينة الرقة (شمال) معقل «داعش»، الى مقصد للزوار والمصلين. وبات مركزاً للحوار بين الأديان في قلب مدينة القريتين التي تعد بدورها رمزاً للتعايش بين المسيحيين والمسلمين في وسط سوريا.
وشكل الدير ملجأ للنازحين عند بدء المعارك في مدينة حمص قبل عامين. وتعرضت كنائس ومقامات دينية عدة في سوريا للتفجير والهدم على يد تنظيم «داعش»، بحجة أنها تعارض معتقداته الدينية، وكان آخرها تفجيره كنيسة السيدة العذراء في محافظة الحسكة في نيسان ومزاري محمد بن علي والعلامة التدمري أبو بهاء الدين في مدينة تدمر في شهر حزيران.
وبحسب عبد الرحمن، يشن الطيران الحربي التابع لقوات النظام السوري غارات جوية كثيفة على مدينة القريتين منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها، مشيراً الى شنه عشرين غارة على الأقل الخميس استهدفت أحياء عدة في القريتين.
وقال عبد الرحمن إن المدينة لم تعد تؤوي عدداً كبيراً من المدنيين بعد نزوح أهلها وخطف التنظيم العشرات من سكانها الشهر الحالي، موضحاً أن التنظيم نقل 110 مدنيين من أصل 180 لا يزال يعتقلهم الى محيط مدينة الرقة فيما لا يزال مصير سبعين آخرين مجهولاً. (أ ف ب، كلنا شركاء، «المستقبل»)