فَجَّرَ تنظيم «داعش»، في الساعات الفائتة، أحَد أبرز المعابد في مدينة تدمر الأثريّة وَسط سوريا، في اعتداءٍ اعتبرَته منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونيسكو» جريمةَ حرب وخسارة جسيمة للإنسانيّة، في وقتٍ تستقبل موسكو العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، قبلَ ساعات من وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اللذين سيبحثان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سبل مكافحة الإرهاب وتعزيز العلاقات العربيّة - الروسيّة. تزامناً، أعلنت تركيا وأميركا أنّهما ستبدآن عمليّة جَوّية ضدّ «داعش» شمال سوريا قريباً.
روسيا تعمل على إنشاء تحالف ضدّ الإرهاب يَضُمّ دمشق«داعش» فجَّرَ معبداً أثريّاً يعود لألفَي عام في تدمر
قال وزير الخارجية التركية مولود جاوش أوغلو، في حديث إلى وكالة «رويترز»، إن حلفاء إقليميين قد يشاركون في العملية من بينهم السعودية وقطر والأردن إضافة إلى بريطانيا وفرنسا.
وأوضح أن العملية ستحمل «رسالة للرئيس بشار الأسد وستمثل ضغطاً على حكومته للدخول في مفاوضات للتوصل لحل للحرب الشاملة في سوريا».
وأضاف: «إنتهت المفاوضات حول التفاصيل التقنية أمس، وسنبدأ فوراً في العملية الشاملة ضد داعش».
وقال مسؤولون إن الخطة الأميركية هي توفير الغطاء الجوي لمن تسميهم واشنطن مسلحي المعارضة المعتدلين، بهدف طرد مسلحي تنظيم «داعش» من مثلث حدودي يمتد إلى نحو 80 كيلومتراً.
ويقول مراقبون إن قطع السبيل أمام التنظيم في الوصول إلى الحدود التركية، التي تسرّب منها كثير من المقاتلين للالتحاق بالتنظيم، سيترك أثراً كبيراً على الأرض.
وقال أوغلو إن تركيا ستواصل ضرباتها التي بدأت منذ شهر ضد «حزب العمال الكردستاني» حتى يتخلّى عن السلاح.
تدمر
ميدانياً، يأتي تفجير تنظيم «داعش» معبدَ بعل شمين، الذي يُصَنّفه متحف اللوفر في باريس على أنّه الموقع الأهمّ في مدينة تدمر الأثريّة بعدَ معبد بعل، وذلكَ بعدَ أقلّ مِن أسبوع على إقدام التنظيم على قطع رأس المدير السابق لآثار المدينة خالد الأسعد (82 عاماً)، ما أثارَ تنديداً دوليّاً بهذه «الجريمة الوحشيّة» التي ارتَكبَها «همَجيّون».
وقالت المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو ايرينا بوكوفا في بيان الاثنين ان تدمير المعبد «جريمة حرب جديدة وخسارة جسيمة للشعب السوري والانسانية» مضيفة «يجب معاقبة مرتكبيها على افعالهم».
واكدت ان التنظيم المتطرف «يقتل الناس ويدمر المواقع، لكنْ لا يُمكنه ان يُسكت التاريخ، وسيَفشل في النهاية في محو هذه الثقافة العظيمة من ذاكرة العالم»، مشدّدةً على انّه «رغم العوائق والتعصب، فإنّ الابداعَ الانسانيّ سينتصر، وسيُعاد ترميم المباني والمواقع».
فرنسا
وندّدت فرنسا من جهتها بتدمير المعبد. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية انّ ذلك يؤكّد «رغبة التنظيم الارهابيّ بإبادة التنوّع الثقافيّ الذي يعود لآلاف السنين في الشرق الاوسط».
وفجّر مقاتلو تنظيم الدولة الاسلاميّة معبدَ بعل شمين الاحد الفائت بعدَ تفخيخه بكمّية كبيرة من المتفجّرات، ما تسبّب بتدمير جزء كبير منه.
واوضح المدير العام للاثار والمتاحف السورية مأمون عبد الكريم، لوكالة فرانس برس، انّ التفجير ادّى الى «دمار الجزء المغلق من المعبد وانهيار الاعمدة المحيطة به».
وسيطر تنظيم الدولة الاسلاميّة في 21 ايّار الفائت على مدينة تدمر الاثرية المدرَجة على لائحة يونيسكو للتراث العالمي، بعدَ اشتباكات عنيفة ضدّ قوّات النظام السوري. واقدَمَ عناصره في 21 حزيران الماضي على تفخيخ المواقع الاثرية في مدينة تدمر بالألغام والعبوات الناسفة كما اعدموا اكثر من مئتي شخص داخل المدينة وخارجها، عشرون منهم في المدرج الاثري.
وقال عبد الكريم: «أسوأ توَقّعاتنا باتت للاسف في صدد التحقق»، مضيفاً انّ مقاتلي التنظيم «نفّذوا اعدامات في المسرح الاثريّ، ودمروا في تموز تمثال اسد اثينا الشهير الذي كان موجوداً عند مدخل متحف تدمر، وحولوا المتحف الى محكمة وسجن، وأعدموا في الآونة الأخيرة المدير السابق لآثار المدينة خالد الاسعد».
وبدأ بناء المعبد، الذي يحمل اسمَ إله السماء لدى الفينيقيّين، عامَ 17 ميلاديّاً، ثم جرى توسيعه في عهد الامبراطور الرومانيّ هادريان عام 130.
ويَعتبِر تنظيم الدولة الاسلاميّة، الذي باتَ يُسيطر على نصف مساحة سوريا وعلى مناطق واسعة في العراق، انّ المعالم الدينيّة قبلَ الإسلام، وتحديداً التماثيل، بمثابة اصنام تُعارض معتقداته. وسبَقَ للتنظيم أنْ حطّمَ مواقعَ اثريّة عدّة في العراق.
ونشَرَ التنظيم، في نيسان الماضي، شريطاً مصوّراً لعناصره وهم يدمّرون بالجَرّافات والمعاول والمتفجّرات مدينة نمرود الآشوريّة الأثريّة في شمال العراق، والتي يعود تاريخ بنائها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، قبلَ ان يعمد الى تفخيخها وتفجيرها بالكامل.
كما عمدوا الى جرف مدينة الحضر التي تعود الى الحقبة الرومانية قبل أكثر من ألفي عام، وتدمير آثار متحف الموصل في شمال العراق.
وندّدت اليونسكو في الثالث من تموز بتدمير «تماثيل نصفيّة في تدمر». وقالت انّ القيام بذلك «في ساحة عامّة امام جمهور واطفال تتمّ دعوتهم الى تخريب تراثهم، يشكّل مشهداً شرّيراً تقشعرُّ له الابدان».
وبحسب الامم المتّحدة، تعرّضَ اكثر من 300 موقع اثريّ سوريّ للاضرار او التدمير او النهب خلال النزاع المستمرّ منذ اكثر من اربع سنوات، ما يتسبّب يومياً بمقتل العشرات جرّاء المعارك والقصف المتبادل على جبهات عدة بين قوّات النظام والفصائل المقاتلة والجهاديين والاكراد.
الغوطة الشرقية
في منطقة الغوطة الشرقيّة في ريف دمشق، قُتل في الساعات الفائتة أكثر من 31 شخصاً، بينهم ثمانية اطفال، جرّاء الغارات الجوّية التي تشنّها قوّات النظام السوري منذ ايام على بلدات عدّة، حسب المرصد السوري لحقوق الانسان.
وذكرت صحيفة الوطن السوريّة المقرّبة من السلطات، انّ «مسلّحي الغوطة يمطرون دمشق بالقذائف والجيش يرد بقوة».
وقالت احدى الصفحات المتخصّصة بإحصاء عدد القذائف التي تسقط يوميّاً على العاصمة على موقع «فيسبوك»، انّ 85 قذيفة سقطت على دمشق الاحد.
وتسبّبت الغارات التي شنّها الطيران الحربي التابع لقوّات النظام السبت الفائت على مدينة دوما، ابرز معاقل فصائل المعارضة قرب دمشق، بمقتل 34 شخصًا.
وفي دمشق، تجدد سقوط القذائف على احياء سكنيّة الاثنين، ما تسبب بإصابة عدد من الاشخاص.
ونقلت وكالة الانباء الرسميّة سانا عن مصدر في قيادة الشرطة «انّ قذيفة سقطت قرب جامع الشيخ رسلان في حي باب توما ادت الى اصابة عشرة اشخاص».
واضافت «سقطت ثلاثة قذائف على شارع بغداد ما ادى الى
اصابة ثلاثة اشخاص بجروح».
وافاد المرصد السوري لحقوق الانسان من جهته عن سقوط القذائف على أماكن في مناطق أبو رمانة والمهاجرين والمزرعة والعدوي في دمشق.
وكانت العاصمة شهدت الاحد الفائت سقوط عشرات القذائف ما اسفر، بحسب حصيلة رسمية، عن مقتل شخصين وجرح 38 آخرين.
وغالبا ما تستهدف الفصائل المتحصنة في محيط العاصمة الاحياء السكنية في دمشق بالقذائف فيما تقصف قوات النظام السوري جوا وبالمدفعية مناطق تحت سيطرة الفصائل في ريف دمشق.
المساعي الروسيّة
في غضون ذلك، أعلنَ الديوان الملكي الأردني، في بيان امس، انّ الملك عبد الله الثاني غادَرَ عمّان إلى موسكو، في «زيارة عمل»، لإجراء مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول «مكافحة الارهاب والتطرّف».
وقال البيان إنّ الملك سيبحث مع بوتين في «المستجدّات الاقليميّة، لا سيّما ما يتعلّق بالأزمة السورية وجهود مكافحة الارهاب والتطرف».
واضاف انّ المباحثات ستتطرّق الى «علاقات التعاون بين البلدين، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والطاقة».
وكان البلدان وقّعا في 24 آذار الماضي في عمّان، اتّفاق إطار لبناء وتشغيل اول محطة للطاقة النووية في المملكة للاغراض السلمية خصوصا من اجل توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه.
وقد اختار الاردن في 28 تشرين الاول 2013 شركتين روسيتين هما «أتوم ستروي اكسبورت» و»روست أتوم اوفرسيز» لبناء وتشغيل المحطة النووية.
وبحسب البيان، سيحضر الملك عبد الله، خلال الزيارة، فعاليات معرض الطيران الدولي (ماكس)، في مدينة جوكوفسكي الروسية.
وتأتي زيارة العاهل الاردني بالتزامن مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي سيتوجه الى روسيا بين 25 و27 آب الجاري، في زيارة اعتبرها بيان للرئاسة المصرية انّها «تعكس الإرادة المشتركة لتعزيز العلاقات الاستراتيجية».
وذكر الكرملين انّ السيسي سيلتقي بوتين غداً.
واثار الرئيس الروسي، الحليف التقليدي للرئيس السوري بشّار الاسد، في 29 حزيران الماضي، امكانية قيام تحالف دولي جديد يضمّ تركيا والعراق والسعودية، بالاضافة الى جيش النظام السوري لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية بفعالية اكبر.
ويحاول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تسويق هذا الطرح لدى دول المنطقة، فيما تقود الولايات المتحدة تحالفا دوليا، يضم خصوصا السعودية، يشن منذ ايلول الماضي غارات جوية ضد مواقع تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا والعراق. ويشارك الاردن في التحالف الدولي بقيادة واشنطن والذي ينفذ منذ الصيف الماضي ضربات جوية ضدّ «داعش». (وكالات)