يزور العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز واشنطن مطلعَ أيلول المقبل، للمرَّة الأولى منذ توَلّيه سُدَّة الحُكم، وفقَ ما أكّد مصدر دبلوماسي لـ»وكالة الصحافة الفرنسيّة»، في وقت رَجَّحَت الخارجيّة الأميركيّة اجتماعَ الرئيسَين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين في أيلول أيضاً على هامش دورة الجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة. توازياً، دعا الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي إلى زيادة التعاون مع روسيا في مجال مكافحة الإرهاب، خُصوصاً في الشرق الأوسَط، وذلكَ خلالَ لقاءٍ جمَعه أمس في موسكو مع بوتين. وشدّدَ الرئيسان على «أهمّية تشكيل جبهة واسعة لمواجهة الإرهاب، نظراً إلى النيّات العدوانيّة للتنظيمات الراديكاليّة، خصوصاً منها داعش».
طهران وموسكو ستُنهيان مفاوضات في شأن أنظمة «إس 300»بوتين: تعزيز التعاون مع مصر يدعم استقرار المنطقة
قالَ ديبلوماسي سعودي، رَفَضَ ذكر اسمه، لـ«وكالة الصحافة الفرنسيّة»، أمس، إنَّ زيارة الملك سلمان لواشنطن مُقَرَّرة في 4 أيلول المقبل، حيثُ سيحضر منتدى سعوديّاً - أميركيّاً يستمرّ حتّى السادس منه».
وأوضَحَ أنَّ «المنتدى سيُناقش محاورَ عدَّة، أبرزها الطاقة والصحّة والبتروكيماويّات والخدمات الماليّة والاقتصاديّة»، فيما أكّدَ محلّلون أنّ ملفّ مكافحة الإرهاب في المنطقة سَيكون حاضراً بقوّة خلالَ محادثات العاهل السعودي وأوباما.
وهي الزيارة الأولى للملك سَلمان منذ توَلّيه الحكم في كانون الثاني، خَلفاً للملك الراحل عبدالله.
وقد امتنَعَ الملك سلمان عن تلبية دعوة من الرئيس الأميركي لحضور قمّة أميركيّة - خليجيّة في كمب ديفيد خلالَ أيّار الماضي.
واعتُبِرَ غياب الملك سلمان عن القمّة دليلاً على تراجُع العلاقات بين المملكة وواشنطن، على خَلفيّة تسارع الخطوات حينها في اتّجاه توقيع اتّفاق نووي نهائيّ مع طهران.
أوباما - بوتين
في غضون ذلك، أعلنت فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أوروبا، أمس، أنّ من المحتمل أن يعقد الرئيس الأميركي باراك أوباما مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين اجتماعاً الشهر المقبل على هامش دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك.
وأعربت الدبلوماسية الأميركية عن اعتقادها بأنّ «الشيء الأكثر أهمية الآن، هو ما يتعلق بالوضع في أوكرانيا، والذي أصبح أكثر خطورة خلال الأسابيع الماضية، لذلك يجب أن نستغل الوقت في التواصل بوضوح للحد من التصاعد العسكري ولإتمام اتفاق مينسك حول سحب الأسلحة الثقيلة، حتى نتمكن من العودة إلى المفاوضات».
تطوير العلاقات
وسطَ هذه التطوّرات، وبُعَيد لقائه بوتين في الكرملين، أعلن السيسي أنّ «الشعب المصريّ ينظر بأملٍ إلى آفاق تطوير العلاقات مع روسيا في المجال الاقتصاديّ، وكذلكَ في مجال مكافحة الإرهاب»، وذلكَ وفقَ بيان صادر عن الرئاسة الروسيّة.
وأضافَ: «يجب في المقام الأوّل مكافحة الإرهاب، في تلكَ المنطقة التي تواجه مشكلاتٍ كبيرة تتعلّق بالإرهاب والتطرّف».
من جهته، قالَ الرئيس الروسيّ إنّ هذا «موضوع مهمّ جدّاً»، مشيراً إلى «الدَور الأساس» لمصر في مكافحة الإرهاب في المنطقة. وشدّدَ بوتين على اقتراحه الذي يقتضي «تشكيلَ جبهةٍ واسعة لمحاربة الإرهاب»، بمشاركة دوَل عدّة في المنطقة، بما فيها سوريا.
وأوضَحَ، تعليقاً على محادثاته مع السيسي، أنّهُ «تمَّ التشديد على الأهمّية المبدئية لتشكيل جبهةٍ واسعة لمحاربة الإرهاب، بمشاركة اللاعبين الدوليّين الأساسيّين ودوَل المنطقة، بما فيها سوريا».
وتابَعَ أنّه تناولَ ونظيره المصريّ مسائلَ التصدّي لمساعي التنظيمات الراديكاليّة، وفي الدرَجة الأولى تنظيم «الدولة الإسلامية».
وأردفَ بوتين: «لدينا مواقف متطابقة في ما يخصّ ضرورة تكثيف مكافحة الإرهاب الدوليّ، وهي مهمّة تزداد أهمّيتها نظراً إلى المساعي العدوانيّة التي تُبديها التنظيمات الراديكاليّة».
ووصف بوتين محادثاته والسيسي بأنّها جَرَت في جَوّ بنّاء وودّي، إذ تبادل الطرفان الآراء حول مجمل العلاقات الثنائيّة التي كانت تحمل دائماً طابعاً ودّياً ومتبادل المنفعة. وقال إنَّ الطرفَين يَتّفقان أنّ تعزيز التعاون الروسيّ - المصريّ على الساحة الدوليّة يصبّ في المصالح الأصيلة للدولتَين، مؤكّدًا أنّ محادثاته مع السيسي تناوَلت أيضًا مسائل أُخرى تتعَلّق بالوضع في المنطقة.
من جانبه، اعتبر السيسي أنَّ لقاءه بوتين سيُعطي دفعاً إضافيّاً للعلاقات بين البلدَين التي شهدَت على مدار العامَين الماضيَين نموّاً مستمرّاً ونقلةً نوعيّةً حقيقيّة. وأضاف: «نسعى للبناء عليها لترسيخ شراكتنا في المستقبل، خُصوصاً في ظلّ المواقف الشُجاعة التي اتّخَذَتها روسيا لِدَعم خيارات الشعب المصريّ في الوقت الذي واجهت مصر تحدّيات جسام وغير مسبوقة».
وقال الرئيس المصري إنَّ مناقشاته مع نظيره الروسيّ تطرَّقت إلى مُختلف الملفّات الإقليميَّة والدوليَّة ذات الاهتمام المُشترَك، مُشيراً إلى تسجيل تلاقٍ كبير في المصالح والرؤى حيال هذه القضايا.
تسوية سياسية
وأضاف: «رَكّزنا خصوصاً على ضرورة تحقيق تسوية سياسيَّة للأزمة السوريَّة وفقَ وثيقة جنيف. كما أكَّدنا محوريّة القضيَّة الفلسطينيَّة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط وضرورة حصول الشعب الفلسطينيّ على حقوقه المشروعة وإقامة دولة مستقلّة عاصمتها القدس الشرقيَّة».
وقال السيسي إنّهُ بحَثَ وبوتين في أوضاع العراق واليمن وآخر التطوُّرات على الساحة الليبيَّة، إضافةً إلى سُبل مواجهة الإرهاب الذي يُهَدّد الجميع، إذ اتّفَقَ الطرفان على ارتباط هذه الظاهرة باستمرار البؤر المتوَتّرة في الشرق الأوسط. وأردف: «هذا ما يُملي علينا تكثيف التشاوُر والتعاون في ما بيننا لإيجاد حلول جذريّة للأزمات في المنطقة، بما يضمن وحدة أراضي دوَلها واستعادة أمنها واستقرارها».
وأعرب الرئيس المصري عن شكره العميق للقيادة الروسيّة على الحضور الروسيّ البارز خلالَ حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، إذ شارَكَ رئيس الوزراء الروسيّ دميتري مدفيديف في الاحتفالات.
وأبدى السيسي خالص الشكر والتقدير على إهداء موسكو للقاهرة القطعة البحريّة الروسيّة التي شاركت في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، واعتبَرَ أنَّ ذلك يُشكّل دليلاً على عمق العلاقات الودّية والصداقة بين الشعبين والبلدين.
تعزيز السلم والأمن
كما أعرَبَ الرئيس عن ارتياحه لما حَقّقه البلدان خلال الفترة الماضية في التعاون العسكريّ، بما في ذلك في مجال التدريب وتبادل الخبرات، ولا سيّما في مكافحة الإرهاب.
وأعلنَ الرئيس المصريّ أنهُ يأمل في استمرار هذا التعاون في إطار الحرص المشترك للدولتَين لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط وتعزيز السلم والأمن الدوليَّين.
وكانَ الرئيس الروسيّ قد أكّدَ في وَقتٍ سابق دورَ مصر في ضمان أمن الشرق الأوسط. وقال في مستهلّ مباحثات القمّة الروسيّة - المصريّة في الكرملين: «أُعَوّل كثيراً على أنّهُ سيتسنّى لنا خلالَ زيارتكم البحث في مسائل اقتصاديّة، وفي المُناسبة، إنَّ التبادل التجاريّ بين بلدَينا زادَ خلال العام الماضي بمقدار 86%، وكذلكَ مناقشة الوضع في المنطقة عموماً والتسوية الفلسطينيَّة الإسرائيليَّة ومكافحة الإرهاب خصوصاً، ومصر في كُلّ هذه القضايا تلعب بالطبع دوراً محوَريّاً».
من جهته، قال الرئيس المصري إنَّ اللقاءَ الحاليّ هو الرابع بين رئيسَي البلدَين، مشيراً إلى أنّ ذلكَ يؤكّد الطابع الخاصّ للعلاقات الثنائيّة بين مصر وروسيا. وأضافَ أنَّ الشعب المصريّ ينظر بأمل إلى آفاق تطوير العلاقات بين البلدَين في المجال الاقتصاديّ وكذلكَ في مجال مكافحة الإرهاب، خصوصاً في تلك المنطقة التي تواجه مشكلات كبيرة تتعَلَّق بالإرهاب والتطرُّف.
وقال السيسي إنَّ الحكومة المصريَّة تُكافح هذا الشَرّ، ليس فقط من خلال استخدام القوَّة، بل كذلك بتنمية البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا. وتُعتبَر هذه الزيارة الثانية للسيسي إلى موسكو هذا العام، علماً أنّهُ حضَرَ في أيّار الماضي الاحتفالات لمُناسبة الذكرى السبعين للانتصار على النازية. كذلكَ، زارَ الرئيس المصريّ روسيا في آب 2014، فيما زار بوتين مصر في نيسان الماضي.
وكانت روسيا كثَّفَت جهودها الدبلوماسية في الأسابيع الأخيرة حولَ القضايا الشائكة في الشرق الأوسط، كالحرب الدائرة في سوريا والبرنامج النووي الإيراني.
وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي زارَ موسكو قبل 24 ساعة من وصول السيسي، أكّدَ خلال لقائه بوتين، مساء الثلثاء، «الدورَ المهمّ جداً لروسيا في التوَصّل الى حَلّ
بين جميع أطراف النزاع في سوريا».
واجتمَعَ الرئيس الروسيّ الثلثاء أيضاً بِوَليّ عهد ابو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
وفي الآونة الأخيرة، استضافَ وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف نظيرَيه السعوديّ والإيرانيّ، في محاولة لإطلاق مبادرة لإنشاء تحالفٍ إقليميّ واسع يَضمّ الحكومة السوريّة ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة في سوريا والعراق.
وكانَ ملك الأردن عبد الله الثاني اكّد أهمية الدور الروسي في حل الأزمة السورية، وذلك عندما التقى بوتين في الكرملين مساء أمس الأوّل، أثناء زيارة له على هامش معرض ماكس 2015 في روسيا.
ومن المتوقع أن يصل مسؤولون إيرانيون الأسبوع الحالي إلى موسكو لاختتام مفاوضات في شأن شراء طهران أنظمة الدفاع الروسية «أس300» على رغم معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويفتتح معرض «ماكس 2015» في وقت تعاني روسيا أزمة اقتصادية على خلفية العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب الأزمة الأوكرانية، فضلاً عن تراجع أسعار النفط، وتشارك في المعرض سبعمئة شركة روسية وأجنبية من ثلاثين دولة.
يُذكَر أنّ روسيا تنفق مليارات الدولارات لتطوير قطاعها العسكري وإجراء تدريبات عسكريّة، وقد حصلت على 15.5 مليار دولار من مبيعات الأسلحة العام الماضي، ما يجعل موسكو ثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم بعد واشنطن، وفقَ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. (وكالات)