في الوقت الذي يجهد فيه فريق أساسي ضمن «تيار المستقبل»، على رأسهم فؤاد السنيورة، لإلباس الحراك الشعبي في بيروت ما لا قدرة على تحمّله وما ليس وارداً في أجندة منظّميه، يسعى «العقلاء» الى وضعه في نصابه الحقيقي والتخفيف من تأثيراته.
«عدّة الشغل» من جانب بعض المستقبليين لا تزال حاضرة ومستنفِرة لتصوير الغليان الشعبي وكأنه فعل «عدوان» من «حزب الله» باتجاه «المستقبل».. أما لائحة الاتهام فجاهزة: شعارات مسيئة.. ومندسّون!
بالأمس لم ينعقد لقاء الدعم لرئيس الحكومة في دار الفتوى. مقابل ضغط ثلاثي على خط دار الافتاء - نهاد المشنوق - تمام سلام احبطت الفكرة في مهدها. وزير الداخلية شكّل لولب حركة الاعتراض. من يزور صفحة نهاد المشنوق الرسمية على «فايسبوك» يظنّه واحدا من ناشطي المجتمع المدني، لكن مدجّجا بذراعه الأمنية لـ «حماية» التظاهرات ومنع التخريب!
هكذا بات ضبط الوضع في بيروت أولوية الاولويات في الصنائع، على قاعدة ان النجاح في هذه المهمة يخفّف من الاحتقان. في الآونة الاخيرة اشتغلت «الداخلية» بصمت لضبط الشارع في سعد نايل وعكار والجية الذي تحرّك دفاعا عن رئاسة الحكومة.
في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة، وبغياب وزراء «تكتل التغيير والاصلاح» و «حزب الله»، طرح الوزير نهاد المشنوق مسألة تكليف الجيش حفظ الأمن، مذكّرا بعدد الاصابات التي وقعت في صفوف القوى الأمنية، ومؤكّدا أن المسؤولية يجب ان تكون مشتركة بين الجيش والقوى الامنية. ثم رسا الامر على صيغة «مؤازرة الجيش للقوى الامنية»، حيث وضع المشنوق مجلس الوزراء في صورة التقديرات المتضاربة حول تظاهرة السبت.
هنا انبرى وزير الدفاع سمير مقبل ليذكّر الحاضرين بالمرسوم الذي أصدره مجلس الوزراء بتكليف الجيش في 5 حزيران، فكان الردّ الفوري بأن «هذا القرار يشمل منطقة البقاع وعرسال فقط، فيما مدينة بيروت تحتاج الى قرار مماثل».
تذكير مقبل أتى بعد ان أجرى اتصالا من داخل قاعة مجلس الوزراء بقائد الجيش العماد جان قهوجي فكان جواب الاخير بأن الجيش يقوم بواجبه أصلا، وهو جواب لم يكن كافيا بالنسبة لبعض الوزراء.
لكن النقاش توقّف عند حاجز غياب مكوّنين أساسيين عن الجلسة، فكانت مداخلة من جانب الوزير علي حسن خليل ركّز فيها على صعوبة اتّخاذ قرار في هذا السياق بغياب وزراء «التيار» و «حزب الله» كي لا تفسّر الامور بشكل خاطئ، فصرف النظر عن الموضوع بتفهّم كامل من وزير الداخلية. حتى ان البيان الذي تلاه وزير الاعلام جاء خاليا حتى من عبارة «التنسيق بين وزيريّ الدفاع والداخلية».
في مساء اليوم التالي حلّ المشنوق ضيفاً على مائدة «صديقه» العماد قهوجي في منزله في الفياضية. الجلسة كانت أكثر من ايجابية حيث كان النقاش أكثر تشعّبا وصراحة وقيلت الامور فيه من دون قفازات.
يقول المشنوق لـ «السفير» إنه «من المفيد ان لا يكون الجيش على تماس مباشر مع المعتصمين، لكن مجرد الاعلان الرسمي الواضح عن تواجد الجيش وجهوزيته وحضوره فهذا له تأثير كبير كي لا تذهب الامور نحو الاسوأ. وبظل هيبة الجيش واستنفار القوى الامنية ومواكبتها للتظاهرة بكل مسؤولية، فهذا كاف لتأمين ما يلزم لحماية التحرّك ومنع التخريب».
ويبدي المشنوق في هذا السياق انزعاجه الكبير من «شيطنة قوى الأمن، وهو أمر كفيل بإلقاء المسؤولية تلقائيا على عناصرها عند حصول اي اشتباك حتى قبل التحقق من الظروف والحيثيات».
وفيما كان اجتماع مجلس الامن المركزي منعقدا صبيحة السبت، بدأ الجيش ينفّذ تدريجا انتشاره في نقاط محدّدة محيطة بنقطة الاعتصام، كما تمّ الالتزام في الوقت نفسه بمقرّرات مجلس الامن لناحية إنشاء غرفتيّ عمليات واحدة لدى الجيش مطعّمة بضباط من قوى الامن وأخرى في قيادة قوى الامن الداخلي مطعّمة بضباط من الجيش، في إجراء هو الاول من نوعه.
وكان لافتا حضور رئيس فرع مخابرات بيروت العميد جورج خميس ورئيس شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي العميد عماد عثمان لأول مرة اجتماع مجلس الامن المركزي بما ان بيروت هي «الحدث» بذاته.
وجد الاستنفار الذي أعلنه المشنوق بالتنسيق مع الاجهزة الامنية، قبل يوم الاعتصام في ساحة الشهداء، صداه في الشارع. بقي الجيش حاضراً وجاهزاً في حال استدعت الحاجة، فيما التزمت قوى الأمن الداخلي بأداء مختلف. «رعاية» وحماية للتحرّك الذي انطلق من وزارة الداخلية باتجاه ساحة الشهداء. والتخفيف من الانتشار الامني في محيط السرايا وساحة الشهداء، والابتعاد عن الاسلاك الشائكة، مما قلّل من حجم الاستفزاز، الى ان اضطرت «مكافحة الشغب» للتدخل مع بداية أعمال التخريب والشغب.
اوساط سياسية معنية لم تجد في طلب الوزير المشنوق استحضار الجيش كقوة مؤازرة في نقطة الاعتصام «سوى محاولة لتوزيع المسؤوليات، ولأنه بالسياسة غير قادر على أن يتحمّل وحده مسوؤلية ما قد يجري». فـ «درس» تظاهرة 22 آب كان لا يزال ماثلا أمام الاعين، فيما بدا لافتا تعمّد الوزير المشنوق في مؤتمره الصحافي الاخير الاشارة الى ان تواجد الجيش في محيط منطقة رياض الصلح كان مقتصرا فقط على سرية الجيش المكلّفة بحماية مجلس النواب، وكانت من ضمن المجموعات الثلاث التي قامت بإطلاق النار في الهواء.
تضيف الاوساط: صحيح ان قوى الامن هي الجهة المولجة بمواكبة التظاهرات وقواتها الخاصة تملك المعدّات اللازمة والضرورية لمواجهة أعمال الشغب والمندسّين، إلا ان وجود الجيش يخفّف من الحمل الثقيل على وزير الداخلية شخصيا.
ويؤكد المشنوق ان «المسألة لا تتعلق بالشخص. لكن هناك تركيز غير مفهوم على تصوير قوى الامن بأنها الجهة الوحيدة المرتكبة، والبقية مجموعة قديسين. هيبة الجيش مهمة. وغرفة العمليات المشتركة التي قامت كانت كفيلة بحصر الخسائر الى حدّها الادنى».
باختصار، لا يريد ان يكون المشنوق في «بوز» مدفع المواجهة مع شارع غاضب ومنتفض اعترف بنفسه ان مطالبه محقة، وصولا الى حدّ إقراره بإمكانية النزول الى «الشارع معهم إذا طالبوا بقانون انتخاب جديد».
لكن ماذا بشأن من يقول إن قائد الجيش لا يفصل حسابات «حياد» الجيش على الارض عن حسابات الرئاسة، يردّ المشنوق «مع احترامي لكل الرغبات السياسية، عندما تتعلّق المسألة بمدينة بحجم بيروت لا استطيع ان أقف على الحياد من حياد الجيش».