ألقت السلطات الأمنية، يوم امس، القبض وزير الزراعة صلاح هلال، في خطوة مفاجئة، سبقها إعلان عن «قبول استقالته»، على خلفية تورطه في قضايا فساد.
التطورات التي رافقت هذا الحدث بدت مفاجئة وسريعة في ملابساتها، اذ ان اعتقال الوزير المصري جاء أثناء خروجه من مقر مجلس الوزراء، بعد تقديم استقالته.
ويأتي إلقاء القبض على هلال، عقب تفجر قضية فساد كبيرة اتهم فيها الوزير المصري بتلقي رشى، في مقابل تخصيص أراض مملوكة للدولة لمصلحة رجال أعمال.
وترافق توقيف هلال مع إلقاء القبض على مدير مكتبه وصحافي، بتهمة التورط في قضية تلقي رشى لتسهيل حصول مستثمرين ورجال أعمال على أراض.
وأفاد بيان صادر عن الحكومة المصرية أنه «بناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، استقبل رئيس مجلس الوزراء المهندس إبراهيم محلب، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي الدكتور صلاح هلال، الذي تقدم باستقالته من منصبه، وقد تم قبول الاستقالة»، من دون أن يقدم مزيدا من التفاصيل، فيما نقلت وكالة الأنباء المصرية الرسمية عن مصدر مسؤول قوله إن «الرقابة الإدارية ألقت القبض على صلاح هلال، على ذمة التحقيقات في قضية الفساد الكبرى في الوزارة»، مضيفاً ان هلال سيمثل أمام النيابة المختصة للتحقيق معه في ما هو منسوب إليه.
وكشفت تحقيقات النيابة العامة أن مسؤولي وزارة الزراعة محل التحقيق طلبوا وأخذوا أشياء عينية (على سبيل الرشوة)، ممثلة في بعض الهدايا، وطلب بعض العقارات من المتهم أيمن محمد رفعت عبده الجميل، في مقابل تقنين إجراءات مساحة أرض قدرها 2500 فدان في منطقة وادي النطرون.
وتبين أن الهدايا موضوع الرشى، تمثلت في عضوية في النادي الأهلي بمبلغ 140 ألف جنيه لأحد المتهمين، ومجموعة من الملابس من أحد محال الأزياء الراقية قيمتها 230 ألف جنيه، وهاتفين محمولين قيمتهما 11 ألف جنيه، وإفطار في شهر رمضان في أحد الفنادق الكبرى بتكلفة قدرها 14 ألفا و500 جنيه، وطلب سفر لأسر المتهمين، وعددهم 16 فرداً، لأداء فريضة الحج عن طريق إحدى الشركات السياحية بتكلفة 70 ألف ريال سعودي للفرد الواحد، وطلب وحدة سكنية في أحد المنتجعات في مدينة السادس من أكتوبر قيمتها 8 ملايين و250 ألف جنيه.
وأكدت النيابة العامة، في بيان أصدرته لاحقاً، أن المتهمين في القضية هم وزير الزراعة صلاح الدين هلال، ومدير مكتبه محيي الدين محمد سعيد، ومقدم الرشوة أيمن محمد رفعت عبده الجميل، والوسيط محمد فودة.
ويعد هلال أول وزير يُلقى القبض عليه بتهم تتعلق بالفساد منذ «ثورة 25 يناير» التي اعتقل بعدها عدد من وزراء الرئيس المخلوع حسني مبارك، وبخاصة ضمن المجموعة الاقتصادية، في قضايا فساد، بينما فر بعضهم الى الخارج. كما أنه الوزير الأول الذي يتم توقيفه بعد إطاحة الرئيس المعزول محمد مرسي في العام 2013، واعتقال العديد من أفراد حكومته.
وتطرح قضية الفساد، التي أطاحت أحد أعضاء حكومة محلب، وربما تسقط رؤوساً أخرى، التساؤلات عن حجم الفساد وتأثيره في مصر، وسبل مواجهته، وما إذا كانت هناك جدية أصلا في مواجهته أم لا.
ولا شك بأن الفساد كان أحد أهم العوامل التي فجرت الاحتجاجات الشعبية في مصر، وصولا الى «ثورة 25 يناير» قبل خمس سنوات. كما أن أحد أهم مطالب الثورة عقب إطاحة مبارك، كانت فتح كل ملفات الفساد، والتي اتُّهم فيها مبارك وأفراد عائلته والمقربون إليه، بالإضافة الى كبار المسؤولين في الدولة المصرية. ولكن بعد خمس سنوات يبدو أن المعركة ضد الفساد ما زالت تراوح مكانها.
عاصم عبد المعطي رئيس «المركز المصري للشفافية ومكافحة الفساد» يقول في حديثه الى «السفير» ان «المطالبة بمواجهات حاسمة للفساد قائمة منذ سنوات، ولكننا لم نلاحظ تغيراً حقيقياً في هذا الإطار، فالجسد المترهل للفساد ما زال كما هو. والمواطن لا يشعر بالملموس بجهد الدولة ضد الفساد».
ويضيف عبد المعطي «قبل أربع شهور نشرنا تقريراً عن الفساد في مصر. الأرقام أصبحت مذهلة. تكلفة الفساد تصل الى أكثر من ربع الموازنة العامة للدولة، وهي تتراوح بين 170 و200 مليار جنيه. هذا يعني أن كل مواطن في مصر يتكلف ربع دخله تقريبا لمصلحة الفساد والفاسدين».
ويرى عبد المعطي أن جدية الدولة لم تثبت بعد في مواجهة الفساد، ويؤكد ان «مواجهة الفساد تستدعي أمرين: الإرادة والإدارة»، موضحاً «يجب أن تتوافر إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الفساد واستئصاله، ولا تكفي هنا إرادة رئيس الجمهورية، اذ يجب أن تتوافر تلك الإرادة لدى كل أجهزة الدولة ومؤسساتها. فاعتقال وزير الزراعة جاء بتوجيهات من رئيس الجمهورية واهتمامه شخصياً، ولكن كم قضية يجب أن يهتم بها الرئيس؟ يجب أن تكون مهمة كل المسؤولين في الدولة وكل أجهزتها حتى لا تكون مواجهة رمزية وإعلامية. وهنا يأتي دور الإدارة النزيهة. فمن دون إدارة تتسم بالنزاهة والشفافية لن تصل الإرادة السياسية الى نتائج ملموسة».
ويرى عبد المعطي أن القضية التي اعتقل فيها وزير الزراعة قد تكون خطوة على طريق مواجهة شاملة للفساد، مضيفاً «نتمنى أن تكون بداية حقيقية وجادة، لا أن تكون قضية إعلامية تتناولها الصحف لفترة من دون أن تكون بداية لملاحقة حقيقية لكل الفاسدين».
تحمل قضية وزير الزراعة الذي أقيل من منصبه، وتم اعتقاله بسبب اتهامه في قضايا فساد دلالات مهمة. فهي تؤكد بداية أن الفساد ما زال يضرب بعمق في أجهزة الدولة المصرية ومؤسساتها، وأن أشخاصاً في مراكز السلطة واتخاذ القرار ليسوا بمنأى عن الفساد. ولكنها تعني أيضا أن التصدي للفساد أمر ممكن. واتخاذ قرار بإقالة وزير واعتقاله بتوجيهات من رئيس الجمهورية يعني أن الجدية لا تنقص المنوط بهم اجتثاث الفساد.
ولكن هذه القضية ما زالت في بدايتها، وإذ يتنبأ البعض بأن رؤوساً كبيرة على وشك السقوط فيها، يرى آخرون أن تفجير الفضيحة قبيل الانتخابات البرلمانية قد يكون هدفها سياسياً، وتوظف في المعركة الانتخابية، وأن المعركة الحقيقية ضد الفساد ما زالت على الهامش.