السخونة المتجددة بين الرابية وعين التينة، ليست تعبيراً عن سوء تفاهم، أو تباين في الرأي، أو اشتباك آني بينهما، بقدر ما هي تعبيرعن مسار طويل ومزمن من العلاقة المتقلّبة، التي صار فيها الاشتباك والنفور بينهما هو القاعدة، والتفاهم أو التقارب أو التعاون بينهما هو الاستثناء. وأما المهادنة أو المساكنة أو التعايش السياسي بينهما بين وقت وآخر، فكلها «مؤقتة»، تمليها رغبة وجهود وتمنيات «حليف الخصمين»، أي «حزب الله».
ميزة هذه العلاقة أن مسارها على حد السكين وانحداري دائماً، وثمة «محطات اشتباكية» نفخت فيها النار، لعل ابرزها: انتخابات جزين وإعلان النائب ميشال عون «استردادها» من الرئيس نبيه بري. التمديد الأول للمجلس النيابي، ثم التمديد الثاني وإعلان عون لا شرعية المجلس، وما تلا ذلك من تعطيل للمجلس وللحكومة في آن معاً. تأخير تسريح القادة العسكريين.. والى جانب كل ذلك، الموضوع الرئاسي والتناقض الجدّي في النظرة اليه سواء حول الأسماء أو مواصفات الرئيس العتيد.
ولكن، حتى الساعات السابقة للهجوم العوني على عين التينة، كان الطرفان في هدنة سياسية، ولو من دون إعلان، تبادلا الممثلين في المناسبات، اجتمعا معاً على طاولة الحوار، حاول فيها بري أن يصطاد خلالها فرصة تمكّنه مراكمة ايجابيات تخرق جدار الازمة الرئاسية والسياسية، وسعى جدّيا الى التفاعل الإيجابي مع عون، فكان أحد السعاة الإيجابيين لإنضاج «تسوية الترقيات» لعلّها تعيد اطلاق عجلة الدولة مجلساً وحكومة. راهن على «الخلوة السداسية»، فجاءت نتائجها عكسية، وأفشلها الرئيس فؤاد السنيورة.
قد يكون بري فوجئ بالرمايات العونية عليه، في ظل الهدنة السياسية، سواء من باب «تسوية الترقيات» أو من باب الاشتباك بين وزارتي المال والطاقة، أو من أي باب آخر. وهذا يفتح الأسئلة التالية:
- هل يعبّر الهجوم العوني على عين التينة عن أن القلوب المليانة وصلت بالعلاقة الى نقطة الكسر النهائي.. واللاعودة؟ وماذا يلقي هذا الاشتباك المتجدد على حليف الخصمين، وهل مهمته كوسيط ستكون سهلة؟
- من، أو ما الذي استفزَّ عون؟ وهل ثمة خبثاء نصبوا العبوات والأفخاخ ونجحوا في استدراجه وإحراجه، لكي يخرج بالهجوم العنيف على بري؟
- هل السبب هو النقاشات الحامية التي جرت في لجنة الاشغال والطاقة النيابية، ومثل هذه النقاشات حصلت، وتحصل دائما في أية لجنة نيابية، أم أن خلف الأكمة ما خلفها؟
- هل هجوم عون على بري تعبير عن تسليم الأول بأن تسوية الترقيات قد انتهت وصارت مستحيلة؟
- إن كانت المسألة مسألة ترفيعات، فلماذا اختار عون أن يكون قصفه على بري، وليس على من يكمن له ويدسّ السم في دسم المعطيات المرتبطة بتسوية الترفيعات؟
- هل استجاب عون في هذا الجانب لبعض نافثي السمّ في قلب العلاقة بينه وبين بري، او ملفقي وناقلي الاخبار المسمومة؟
- لماذا يصرّ عون على مخاصمة بري، في وقت أن رئيس المجلس هو الممر الإلزامي الى كل العناوين التي يريدها عون، من رئاسة الجمهورية الى القانون الانتخابي الى التعيينات او الترفيعات الى استرداد الجنسية... وغيرها من العناوين والملفّات؟
- ماذا ينتظر عون من هذا التصويب الخاطئ، خاصة أن الخطأ في التصويب قد يرتد على مطلقه؟
- قد يقال إن عون مارس بقصفه على بري لعبة بلياردو، صوّب فيها على طابة، وهدفه طابة أخرى، أي إطاحة الحوار الذي يرعاه بري، فإن صح ذلك، فأي فائدة يجنيها من هذا التعطيل؟
- ماذا بعد انفجار العلاقة المرتجّة؟ هل سيتأثر المشهد السياسي العام بتداعياتها؟ وهل سينجو الاستقرار السياسي منها؟ وماذا عن الحكومة ومن يضمن الا تتشظى، وماذا لو جاءت التداعيات بما هو ابعد من التشظّي؟
- هل الهجوم العوني تعبير عن شعور بدأ ينتاب عون بأنّ الرئاسة في لبنان دخلت في نفق التأجيل مجدداً، وأن مفتاحها ضاع مجدداً في الأزمة الإيرانية السعودية المستجدة على خلفية كارثة حجاج منى، والمفتوحة على شتى الاحتمالات، وأخطرها المواجهة المباشرة لأول مرة، وتبعاً لهذا الشعور جاء الهجوم على بري، وكذلك الإيعاز للعميد حبيب اسكندر للطعن بالتمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي في خطوة غير مسبوقة او مألوفة في تاريخ المؤسسة العسكرية؟
- اذا كان عون قد أصبح مقتنعاً، بأنه لا يربح لا في الرئاسة ولا في الترقيات، فهل انتقل الى اعتماد سياسة تخسير الآخرين، على قاعدة «هم يقايضونني بشروطهم، وأنا أريد أن أخسّرهم ليقايضوني بشروطي؟».
- هل ستشهد الأيام المقبلة دعوات لعقد جلسات حوار بين حركة «أمل» و «التيار الوطني الحر»، موازية للحوار الوطني، على غرار حوار «حزب الله» و «المستقبل»، المنعقد لفكّ الاشتباك وتخفيف الاحتقان؟