سألت مصادر نيابية ووزارية ما إذا كان «حزب الله» سيتفهم الدوافع التي أملت على حليفه رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون التهديد بمقاطعة طاولة الحوار ويبادر الى التضامن معه أم ان لديه القدرة على ضبط إيقاعه وإقناعه بالعدول عن تهديده، خصوصاً أن لا مصلحة للجنرال بمقاطعة الحوار طالما أنه يطرح نفسه المرشح الأقوى لرئاسة الجمهورية؟
وقالت إن مجرد احتساب عون لحساب الربح والخسارة نتيجة غيابه عن الحوار سيضطره الى العودة تدريجياً عن تهديده، وقد يبادر الى تسجيل موقف يقتصر على انتداب من يمثله على الطاولة، لا سيما أن تذرعه بالتهديد بالمقاطعة على خلفية إدراج بند تعيين مدير عام جديد لقوى الأمن الداخلي ليس في محله لأن اللقاء السداسي الذي عقد فور انتهاء الجلسة الحوارية الثالثة لم يتطرق إليه وكان في غنى عن ربطه بتعيين قائد جديد للجيش.
ولفتت الى أن عون ابتدع هذا البند ليخفي السبب الحقيقي لتهديده بمقاطعة الحوار والناجم عن ما تسرب إليه من كلام لوزير المال علي حسن خليل أثناء انعقاد اجتماع لجنة الطاقة والأشغال النيابية وفيه «لو أن هناك دولة لكان أوجب إرسال بعضهم الى السجن».
ومع أن الوزير خليل لم يأت على ذكر أسماء الأشخاص الذين يستحقون إدخالهم السجن، فإن كلامه استفز عون لأنه ربما يشير بإصبع الاتهام الى تقصير وزارة الطاقة في تحسين قطاع الكهرباء في حضور وزير «تكتل التغيير» ارتور نظاريان وهو ثالث وزير من التكتل نفسه يتسلم هذه الحقيبة بعد ألان طابوريان وجبران باسيل.
فعون، كما تقول المصادر نفسها، يرفض أن يوجه أي اتهام الى وزراء التكتل لأنهم، كما يرى، دائماً على حق وفوق المراقبة والمحاسبة وما يسري عليهم ينطبق على مستشاريهم وأبرزهم سيزار أبي خليل الموكل مهمات إدارة ملف الطاقة في الوزارة.
وكانت بداية الأزمة بين عون من خلال نظاريان وبين خليل انطلقت من اتهام وزارة المال بعرقلة مشاريع الطاقة لتأخرها عن دفع الدفعتين الثالثة والرابعة للشركة المنفذة لتركيب المولدات العسكية في معملي الذوق والجية لتوليد الطاقة مع أن وزارة الطاقة أدخلت تعديلات على اتفاقية التلزيم من دون العودة الى ديوان المحاسبة، إضافة الى أن قيمة التلزيم بلغت 500 مليون دولار من دون معرفة الجهة التي يفترض أن تغطي بدل الضريبة على القيمة المضافة عليه وهي بحدود 50 مليون دولار. كما أن خليل طلب من وزارة الطاقة أن تحيل البنود المعدلة على اتفاقية التلزيم الى ديوان المحاسبة للوقوف على رأيه حيالها وأخذ موافقته، لكن باسيل عندما كان وزيراً للطاقة رفض الاحتكام إليه بذريعة أن لا احاجة لإحالة هذه التعديلات عليه.
لكن ديوان المحاسبة أصرّ على موقفه لأنه المرجع الوحيد - كما تقول المصادر عينها - الذي يحق له أن يقول كلمة الفصل في هذه التعديلات. لكن المشكلة أحيلت على مجلس الوزراء الذي طلب أن تصرف الدفعتان الماليتان للشركة المنفذة شرط أن تعود وزارة الطاقة الى مراجعة الديوان.
واعتقد وزير الطاقة - وفق المصادر - بأن موافقة مجلس الوزراء على صرف الأموال المستحقة للشركة بعد تهديدها بإقامة دعوى تطالب فيها بتعويض قدره 135 مليون يورو لتأخير سداد المستحقات، تتيح له أن يتصرف بلا رقيب أو حسيب، على رغم أنه يعرف جيداً أن عليه مراجعة ديوان المحاسبة.
وبعدما قطع خليل أي أمل باستجابة وزارة الطاقة طلب مجلس الوزراء مراجعة ديوان المحاسبة. كان لا بد من أن يواجه أحد مستشاري نظاريان بالوثائق والوقائع رداً على اتهام وزارة المال بعرقلة مشاريع الطاقة، علماً أن وزيرها يلوذ في معظم جلسات لجنة الطاقة والأشغال بالصمت ولا يرد على مداخلات معظم النواب الذين يتهمون سلفه بتجاوز القوانين وأجهزة الرقابة. لذلك، انبرى عون للدفاع عن وزراء «التكتل» ممن تعاقبوا على تسلم حقيبة الطاقة وأبرزهم باسيل بعد أن كان وعد الأخير بالكهرباء 24 على 24 ساعة يومياً عام 2015 وطلب في البيان الذي أذاعه الثلثاء الماضي بعد ترؤسه الاجتماع الأسبوعي لـ «تكتل التغيير» من رئيس لجنة المال النيابية أمين سر التكتل النائب إبراهيم كنعان أن يدعو اللجنة الى اجتماع عاجل لطرح تساؤلات وشكاوى المواطنين على وزارة المال، إضافة، كما قال الى شبهات أخرى تسببت بكلفة مالية عالية.
إلا أن طلب عون هذا سيبقى حبراً على ورق، وفق المصادر نفسها التي تعزو السبب الى أن الرد على الوثائق والأدلة لا يكون في اللجوء الى «الشعبوية»، إضافة الى أنه لا يحق لكنعان أن ينصّب نفسه رئيساً لمحكمة من محاكم الجزاء لمحاسبة هذا الوزير أو ذاك لأن للمساءلة أصولاً وقواعد لا يمكن لأحد أن يتجاوزها أو أن يطيحها.
وبكلام آخر، فإن عون يعرف جيداً أن أصول اللعبة الديموقراطية في خصوص مساءلة الوزراء تبدأ بتوجيه سؤال الى الوزير المعني من خلال البرلمان الذي يحيله على الحكومة ليجيب عنه الوزير وإذا لم يقتنع صاحب السؤال بجوابه يبادر الى تحويله الى استجواب وهكذا دواليك وصولاً الى طرح الثقة فيه في جلسات المناقشة العامة في البرلمان.
وعليه، فإن طلب عون من كنعان دعوة لجنة المال إلى محاسبة الوزير سيرتد عليه. ولن يقطع الطريع على معاودة لجنة الطاقة اجتماعاتها، وهذه المرة سيدعى الى حضورها رئيس ديوان المحاسبة القاضي أحمد حمدان أو من يمثله ليبنى على الشيء مقتضاه.
وفي هذا السياق لوحظ أن «تكتل التغيير» تجنب الرد على بيان وزارة المال في شأن مطالبة عون بمــساءلة الوزير والذي ورد فيه «افهم جيداً توتر الجنرال عون ورميه الاتهامات بعدما نقل له نواب تكتله بالتأكيد أجواء لجنة الأشغال والطاقة».
وقد يقال في معرض تبرير عدم الرد إن «تكتل التغيير» استجاب رغبة حليفه «حزب الله» إفساحاً في المجال أمامه ليتدخل من أجل وقف تبادل الحملات السياسية مع أن «الجنرال» يعرف جيداً أن بيان وزارة المال لم يصدر عن خليل إلا بعد مراجعته رئيس البرلمان نبيه بري الذي لا يتوجب عليه أن يتحمل وزر الحملات عليه وإن جاءت بطريقة غير مباشرة كما هي حال «حزب الله» الذي يتحمل من عون الكثير، مع أن الأخير ارتضى، بموافقة حليفه التمديد للبرلمان وتأجيل تسريح قائد الجيش العماد جان قهوجي ولم يشغل «محركاته» الإعلامية والسياسية ضده.
وأخيراً هل أدرك عون أنه أخطأ في العنوان عندما قرّر أن يطلق النار على الوزير خليل وبالتالي أيقن أن بري ليس فشة خلق وأن لصبره حدوداً، خصوصاً أن جهود «حزب الله» لم تثمر إيجاد كيمياء سياسية مشتركة ولو بحدودها الدنيا بين الضدين أي حليفه ورئيس البرلمان... وبالتالي هل يحسب أن لمقاطعته الحوار ارتدادات سلبية يمكن أن ترتد عليه طالما أنه يقدم نفسه باستمرار على أنه المرشح التوفيقي لرئيس الجمهورية أم أنه قطع الأمل من كسب ود بري ليدعم ترشحه؟