بعد مرور أكثر من إسبوعين على انفجار المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الاسرائيلي، ألقى الرئيس محمود عباس ليل الاربعاء - الخميس خطاباً أغضب الاسرائيليين ولم يرض كثيراً من الفلسطينيين، وان كان مؤيديوه اعتبروا الخطاب تحولاً استراتيجياً.
وهاجم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو خطاب عباس واصفاً إياه بالتحريضي. وقال ان «خطاب عباس مليء بالأكاذيب والتحريض». وانتقد نتانياهو اتهام عباس للإسرائيليين بأنهم يمارسون إعدامات ميدانية بحق الفلسطينيين، عارضاً صورة الطفل أحمد مناصرة وهو ينزف على الارض. وقال: «هذا الطفل يعالج في مستشفى هداسا ولم يقتل كما ادعى عباس، وقد أُصيب عقب قيامه بطعن ولد يهودي وهو يقود دراجته».
وفي الجانب الفلسطيني انتقد الكثيرون خطاب عباس لأنه خلا من تحديد مسارات جديدة للحركة السياسية الفلسطينية، ووصفه الكاتب هاني المصري بأنه «خطاب رفع العتب والمراوحة في نفس المكان وغياب الخيارات»، فيما اعتبر الكاتب جميل هلال ان «الرئيس الفلسطيني قدم خطاباً غير واضح كي يفسره كل انسان وفق ما يريد»، مشيراً الى انه خلا من إدانة الهجمات الفلسطينية وخلا من تأييدها ايضاً.
ويرى الكثيرون ان خطاب عباس جاء نتيجة تعرضه لضغوط وانتقادات شديدة من الشارع الفلسطيني بعد مرور أكثر من اسبوعين على المواجهات بين الفلسطينيين والاسرائيليين من دون أي اعلان منه. وطالب الكثيرون الرئيس والقيادات السياسية بإعلان موقف مما يجري والمشاركة في الانتفاضة وليس الوقوف على الهامش.
وحمّل عباس، في خطابه، اسرائيل المسؤولية عن تفجر الاحداث قائلاً: «إن رفض الحكومة الإسرائيلية لأيدينا الممدودة للسلام العادل الذي يضمن حقوق شعبنا وحريته وكرامته الوطنية، وإصرارها على المستوطنات والإملاءات، هي أسباب انعدام الأمن والاستقرار». واضاف: «ولن يتحقق السلام والأمن والاستقرار إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس الشريف على خطوط الرابع من حزيران 1967».
وحضّ عباس الفلسطينيين على «الوحدة والتلاحم واليقظة لمخططات الاحتلال الرامية إلى إجهاض مشروعنا الوطني». وطمأن الشعب الفلسطيني الى أننا «لن نتوانى أبداً عن الدفاع عن أبناء شعبنا وحمايتهم» وهو ما أثار غضب القادة الاسرائيليين الذين اعتبروا إشارته هذه دعماً للهجمات على الاسرائيليين.
لكن عباس اكد في الوقت ذاته على تمكسه بخيار «المقاومة الشعبية» من دون أي ذكر للإنتفاضة وللهجمات على الاسرائيليين. وقال: «سنستمر في كفاحنا الوطني المشروع الذي يرتكز على حقنا في الدفاع عن النفس، وعلى المقاومة الشعبية السلمية والنضال السياسي والقانوني».
وهاجم عباس بشدة الاعتداءات التي ينفذها الجيش الاسرائيلي والمستوطنون، محذراً من «تصاعد الهجمة العدوانية الإسرائيلية على شعبنا الفلسطيني وأرضه ومقدساته، وبروز العنصرية الهمجية بوجهها القبيح لتزيد الاحتلال بشاعة وقبحاً، وبشكل يهدد السلام والاستقرار، وينذر بإشعال فتيل صراع ديني يحرق الأخضر واليابس، ليس في المنطقة فحسب، بل ربما في العالم أجمع، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي للتدخل الإيجابي الفوري قبل فوات الأوان».
وأضاف: «لن نقبل بتغيير الوضع في المسجد الأقصى المبارك، ولن نسمح بتمرير أية مخططات إسرائيلية تستهدف المساس بقدسيته وإسلاميته الخالصة، فهو حق لنا وحدنا، للفلسطينيين وللمسلمين في كل مكان».
واعتبر بعض المحللين المقربين من حركة «فتح» خطاب الرئيس عباس تغييراً في الاستراتيجية الفلسطينية. وأشار عبدالمجيد سويلم الى ان «الخطاب اعلان لبدء استراتيجية فلسطينية جديدة تتوافق مع نبض الشارع الفلسطيني المحبط من فشل العملية السياسية»، مضيفاً ان «عباس أعلن كسر معادلة الامر الواقع». واعتبر ان الرئيس حسم موقفه من الاتفاقات الموقعة، مشيراً الى انه لم يعد ملتزماً بها.
وقال عباس في خطابه: «نحن طلاب حق وعدل وسلام، لا نعتدي على أحد ولا نقبل بالعدوان على شعبنا ووطننا ومقدساتنا. قلنا للعالم أجمع من فوق منبر الأمم المتحدة إننا لن نقبل باستمرار الوضع الراهن في فلسطين المحتلة، ولن نستسلم لمنطق القوة الغاشمة وسياسات الاحتلال والعدوان التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية وقطعان مستوطنيها الذين يمارسون الإرهاب ضد شعبنا ومقدساتنا وبيوتنا وأشجارنا وإعدام أطفالنا بالدم البارد، كما فعلوا مع الطفل أحمد مناصرة وغيره من الأطفال في القدس وغيرها من الأماكن».
وخاطب عباس الفلسطينيين قائلاً: «أيها الفلسطينيون الأبطال، لقد حققتم بنضالكم وصمودكم انتصارات وانجازات سياسية لافتة، وأصبحت قضيتنا الوطنية بفضل هذا الصمود الإعجازي محط اهتمام واحترام العالم أجمع. صحيح أننا دفعنا ثمن ذلك من دماء شهدائنا وجرحانا، ومن دموع أمهاتنا وآلام أسرانا، لكنه ثمن الحرية التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى». وقال: «سنواصل معكم وبكم نضالنا السياسي والوطني والقانوني، ولن نبقى رهينة لاتفاقات لا تحترمها إسرائيل، وسنواصل الانضمام الى المنظمات والمعاهدات الدولية».
وقال انه سيقدم المزيد من الملفات الى محكمة الجنايات الدولية حول ما سمّاه «الإعدامات الميدانية» التي يتعرض لها الفلسطينيون، مؤكداً ان ملفات الاستيطان والعدوان على غزة والأسرى وحرق عائلة الدوابشة ومن قبلهم الفتى الشهيد محمد أبو خضير باتت الآن أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وكان مندوب فلسطين الدائم في الأمم المتحدة رياض منصور أعلن أول من أمس (أ ف ب) أن الفلسطينيين سيطلبون من مجلس الأمن النظر في إمكان نشر قوة حماية دولية في القدس الشرقية المحتلة للمساعدة في وقف أعمال العنف
وقال منصور إن هذا الطلب سيصاغ في مشروع قرار تقدمه الدول العربية إلى مجلس الأمن الدولي.
وكان من المقرر أن يجتمع سفراء الدول العربية لدى المنظمة الدولية أمس لبحث ما إذا كان يتوجب عليهم طلب عقد جلسة طارئة للمجلس للبحث في التوترات المتزايدة في الضفة الغربية والقدس، علماً بأن المجلس سيعقد جلسة عادية حول الشرق الأوسط الاسبوع المقبل.