عاملان أساسيان أسقطا أي احتمال قد يحول دون وضع عباءة الياس سكاف، على كتفَي زوجته ميريام طوق لتكمل مسيرة «البيك الزحليّ» بعد وفاته:
أولاً، الوصية الشفهية التي أودعها الراحل بين أيدي المقربين الذين كان يلتقيهم خلال الفترة الأخيرة، والتي أكد عبرها بوضوح رغبته بأن تكون زوجته هي الخلف المؤتمن على المهمة السياسية من بعده، ريثما يصبح ابنه جبران جاهزاً وقادراً على تولي المسؤولية، فينتقل الى الواجهة كوريث لوالده.
ثانياً، التعاطف الشعبي العارم الذي لاقاه الياس سكاف في وداعه الأخير، والذي يكاد يوازي الوداع الجماهيري الذي خصص لوالده جوزيف سكاف الذي كان زعيماً بقاعياً تخطى حدود زحلة، مع العلم أنّ الأخبار التي كانت ترد بالتواتر الى أهالي المنطقة كانت تشي بشكل شبه مؤكد أنّ الرجل سيسلّم الأمانة السياسية الى ميريام، دون سواها. ما يعني أنّ عملية الانتقال من «البيك» الى زوجته لم تكن مفاجئة بالنسبة للزحليين، ولم تمنعهم من الالتفاف حوله وحولها في لحظاته الأخيرة.
هكذا، صار جلياً أنّ ابنة بشري ستكون سيّدة البيت السكافي خلال المرحلة الانتقالية لتتزعّم «الكتلة الشعبية» وتنغمس أكثر في اللعبة السياسية والخدماتية والإنمائية، مع العلم أنّها لم تكن يوماً بعيدة عن هذه الشؤون، ولو بمنسوب محدود.
ويزيد بعض المطلعين على هذا الأمر، أنّ «البيك» حسبها جيداً قبل أن يحسم خيار «وراثته السياسية»، ليحرص بالنتيجة على أن تؤول «التركة» الى نجله، وكي لا تكون ضحية قضم بقية القوى الزحلية، لا سيما الحزبية منها التي يستعد بعضها للتعامل مع المرحلة المقبلة وفق قاعدة أنّ الجمهور السكافي قد يتحول الى «مشاع» يمكن تذويبه رويداً رويداً داخل القوالب الحزبية الأخرى.
ولهذا، لم تُختزل أمنية «البيك» بمجرّد تسمية زوجته لتكون الآمرة الناهية من بعده، وانما زوّدها برزمة توصيات عملانية هي بمثابة خريطة طريق تساعدها عل حماية «الإرث السكافي» من «طمع» القوى السياسية الأخرى.
هكذا مثلاً، أوصاها، وفق بعض المطلعين، على أن تحافظ على الخط السياسي الذي رسمه لنفسه في السنوات الأخيرة، وهي الاستقلالية عن اصطفافي «8 و14 آذار».
كما أوصاها بالإبقاء على منزل العائلة مفتوحاً أمام الناس انسجاماً مع تقاليد هذا البيت وعاداته، وهذا ما أشارت إليه زوجة الراحل في كلمة رثائه، لتؤكد أنّها ستلتزم بما أوصى به، وأنها لن تتوانى عن استقبال الناس والاستماع الى شكاويهم ومطالبهم، وتقديم يد المساعدة، خصوصاً أنّه حرص على الإبقاء على المساعدات الاجتماعية التي كان يتولى تقديمها للزحليين.
ومع ذلك، فإنّ وجود المظلة الاستباقية لا يعني أبداً أنّ ميريام سكاف قد تنجح حكماً في مهمتها، بسبب صعوبتها أولاً وبسبب سياسة النهم لدى الأحزاب والقوى الزحلية التي تخطط لتملأ أي فراغ. ولهذا فإنّ الطابة هي اليوم في ملعب زوجة «البيك» الراحل، لتظهر مدى قدرتها على الإمساك بزمام المبادرة وإدارة «التركة»، ومدى تقبّل الناس للواقع الجديد وتفاعلهم معه ورضاهم عنه.
الأكيد أنّ الأحزاب المسيحية الأساسية، أي «التيار الوطني الحر» و«القوات» و«الكتائب»، ستسعى لملء الفراغ، إذا ما حصل، وتراجعت ميريام سكاف في أدائها، أو بدت غير مقبولة من الناس.
ولهذا لم تتردد ستريدا جعجع في ترؤس الوفد القواتي لتقديم واجب التعزية، خصوصاً أنّ ابنتي العم سبق لهما أن التقتا قبل نحو عام، خلال العشاء السنوي للمجلس الأعلى الكاثوليكي وتبادلتا قبل المصالحة على مرأى من الحاضرين.
معراب التي تخطط بهدوء لتكون الوعاء الحاضن للجمهور المسيحي الخارج من قوالبه أو الفاقد لغطائه السياسي، تضع زحلة في مقدمة حساباتها الأساسية، وهي ترصد دوماً مزاج أهلها من خلال استطلاعات الرأي، وتسعى لتوسيع مروحة حضورها بعدما تبيّن لها مدى تراجعها الشعبي في هذا القضاء بالذات. ولهذا تعمل على التعاطي بإيجابية مع القيادة السكافية الجديدة.
في المقابل، فإنّ «التيار الوطني الحر» يبدي حرصه على إبقاء خطوط التواصل والاتصال مع البيت السكافي وسيدته الجديدة ما دامت الأخيرة ستحافظ على الخطّ الاستقلالي الذي اعتمده «البيك».
إلا أنّ التعاطف الاستثنائي الذي أبداه الزحليون تجاه رحيل زعيم آدمي لطالما لجأوا اليه، دلّ بالوجه الشعبي أنّ الناس ناقمة على الأحزاب القائمة، وهي سمة أهالي المنطقة من زمن، وها هم يعودون الى زعاماتهم التقليدية، كردّة فعل على الأحزاب ونواب المنطقة.
خلال المرحلة المقبلة ستكون ميريام سكاف سيدة البيت السكافيّ. أما مصير زعامته فمتروك للوقت. ما يساعدها هو عدم وجود استحقاقات داهمة في القريب العاجل تضعها أمام الاختبار الجدي، ما يعطيها فرصة جدية كي تثبت قدميها على الأرض.