بعة أجساد دُفنت أمس في الأوزاعي. المنطقة التي غادرها آل صفوان حالمين بمكان أفضل عادوا اليها في توابيت. وحدهم، موسى وماهر وإياد صفوان، نجوا من البحر، فعادوا ليرووا فاجعة موت عائلاتهم أمامهم. تشييع العائلات الثلاث بالأمس كان تذكيراً بالمأساة التي يعيشها الناس في هذا البلد الذي يدفع ابناءه الى المخاطرة بحياتهم من أجل حياة كريمة
عند الحادية عشرة ليلاً إنطلق القارب المطاطي من شاطئ إزمير حاملاً آل صفوان إلى «بلاد الأحلام». سئم الوالد، مايز صفوان، الحياة في هذا البلد. لم يعد فيها شيء يستحق أن يبقى لأجله، أمّا المانيا ففيها حياة جديدة، فيها المستقبل المشرق لأطفال أراد لهم حياة مختلفة عما عاشه.
الوالد الستيني ليس في حالة عوز. أوضاعه ليست مأساوية، لكنّ اليأس لبس روحه: هذه البلاد تحطّم الناس العاديين، تدهسهم وتدفعهم الى الهرب بأخطر الطرق علّهم يُنقذون انفسهم من مخالبها. البحر الذي صادقه مايز لسنوات في الأوزاعي، لم يرأف به. تسللت مياهه الى القارب الصغير رويداً رويداً بعد ساعتين على انطلاقته. كانوا بعيدين عن الشاطئ، حاولوا أن يفرغوا المياه التي ملأت أرضية القارب، لكنها أصبحت تتدفق من كل الجهات. لبسوا سترات النجاة وانتظروا. غير الصلاة، لا يعلم احد ماذا جال في خاطر ضحايا حالمين. غمر الأب ابنتيه الصغيرتين لين ومايا وخبأهما في أحضانه. ظنّ أنه قد ينقذهما بهذه الطريقة. عند الثانية والنصف ليلاً نزل القارب في المياه الباردة وسقطت معه مايا التي أفلتت من يد أبيها بينما بقيت لين بين أحضانه الى ان ماتا معا. كان يمكن لمايز أن يسبح، لكنه رفض أن يتخلى عن عائلته. لم يكن مستعداً لتحمّل هكذا فاجعة فآثر الموت غرقاً حاضناً إبنته التي أرادها أن تكبر في ألمانيا. موسى، الإبن العائد من الموت، التقط زوجته الحامل وحاول أن ينقذها من الغرق لكنها ماتت من البرد. تجمّدت حورية الخطيب صفوان في بحر إيجه فأفلتها موسى ومضى علّه ينجح في إنقاذ نفسه «ليبقى من يخبر مأساة هذه العائلة». يقول موسى إنه سبح لساعات طويلة جداً «كنت أرى سفناً كبيرة فأسبح في اتجاهها. كلّما اقتربت اليها كانت تبتعد. بعد مدة وجدت نفسي على بعد 20 مترا من الشاطئ لكن التعب كان قاتلاً والمياه تسحبني الى الاسفل». كاد موسى ان يغرق قريباً من الشاطئ لولا مرور رجلٍ وعائلته في زورق فانتشله من المياه. بدأت أسماء الموتى تتوالى تباعاً إلى موسى: مايز، مريم، ميلاني، مايا، لين، حورية ومصطفى. إنتظر أن يسمع أسماء وائل ومالك وماهر وإياد (الذي يعيش في تركيا) ليكتشف لاحقاً أن إياد وماهر نجوا، أمّا وائل ومالك ففي عداد المفقودين.
تجمّدت حورية بين يدي زوجها في بحر إيجه وأفلتت مايا
من يد أبيها
سبقت الجثامين السبعة موسى وماهر، اللذين وصلا أول من أمس الى بيروت، أمّا إياد فلا يزال لدى السلطات التركية. عادا إلى «مخالب الوحش» الذي دمّر العائلة ليشهدا أمس على دفن ثلاث عائلات قتلتها الدولة قبل البحر. أقامت الدولة استقبالاً للجثامين في المطار. لا يمكن لها أن تقوم بأكثر من ذلك، فهي باتت دولة لا تنتج سوى الموت ولا تنجح سوى في استقبال جثامين من خذلهم البحر. دولةٌ تعلم أنّه يوميا هناك عشرات ممن يغادرونها ليخوضوا هذه المخاطرة، لكنها تكتفي بالإستنكار وتحذّر اللبنانيين من الوقوع في فخ مافيات تهريب البشر!
صُفّت التوابيت أمام منزل العائلة المقابل للبحر، ورُفعت فوقها لافتة كُتب عليها «شهداء عبارة الموت». وسط إطلاق نار كثيف حُمل التابوت الأول العائد للوالد. جبّانة الأوزاعي تغصّ بالناس. الطريق مغلقة أمام السيارات منذ أوّل الأوتوستراد. وحدها سيارات الإسعاف التي تحمل أجساد الضحايا تتحرك. سبعة أرقام كُتبت على حائط الجبانة قابلتها سبع حفر. عند الثالثة إلا ربعاً وصل أول نعشين فوُضع مايز في الحفرة الأولى فيما استقبلت الحفرة السابعة جسد مصطفى، إبن الثلاثة عشر عاماً. بعد ذلك توالت التوابيت فوق الأكف. يمر شاب بين الحشود فتُخبر إحداهن أنه إبن مايز «طلبوا منه ان يذهب معهم لكنه رفض، نصيب». لا يزال هؤلاء في صدمة، لا يصدقون كيف يمكن ان يختفي سبعة أفراد فجأة. لم يكن الحزن هو المسيطر بل غضب يحرّك الناس الذين شعروا بمأساة كل منهم. شتم الناس الدولة كثيراً، اعتبروا انها المجرم الأول ولم يتوانوا عن التعبير عن ذلك. يقول شاب انه يحمل شهادة لا قيمة لها، فهو عاطل من العمل، بينما تتحدث امرأة عن ديون تراكمت عليها بسبب دخول ابنها المستشفى، تنفعل وهي تبكي جارتها مريم (زوجة مايز) «اي حياةٍ هذه التي نعيشها؟! مايز لم يمت اليوم، هو مات منذ زمن ونحن نموت ببطء يومياً. ما حدا سألان عنا، هنّي قاعدين بقصور ما بتفرق معن بس نحنا المعترين. زعلانين على لي غرقوا؟ ما سألوا حالن ليش هالناس عم تفل بهالطريقة؟ الناس اختنقت، الكل بدو يفل، الكل».
إمتلأت الحفر السبع ووضعت النعوش خلف كومةٍ من التراب. على تابوت لين، إبنة الخمس سنوات، طُبعت من الداخل عبارة «إزمير، تركيا». عند الثالثة والنصف حضرت الجرافة الصغيرة لتُنهي طقوس دفن الضحايا وتهيل التراب فوق أجساد من رحلوا. علا بكاء ميرنا صفوان، الإبنة التي لم تخض هذه المخاطرة، وهي تدفن كل أهلها وأحلامها وأحلامهم، في يوم واحد.