تواجه فرنسا التي تُعتبَر من الدول الأكثر تشَدّداً إزاء نظام دمشق، صعوبة في إسماع صوتها خلال الاتّصالات الدبلوماسية الواسعة التي تجري حاليّاً للتوصّل إلى حلّ للأزمة السورية، وسط سعي واشنطن وموسكو إلى إشراك طهران في مؤتمر فيينا المقبل. فباريس التي لم تُدعَ إلى اللقاء الذي نظّمه الروس والأميركيون الجمعة في فيينا، ردّت بدعوة حلفائها الغربيين والعرب أمس إلى «عشاء عمل» من أجل إيجاد تسوية سياسية للأزمة في سوريا، تشارك فيه أطراف إقليمية ودولية، في غياب روسيا وإيران.
أوباما يدرس إرسال قوّة برّية إلى سوريا لتوسيع الدور الأميركي في مواجهة «داعش»
المرصد: تقدّم لـ»داعش» في محيط معقل عسكري للنظام شمال سوريا
أعلن وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس في بيان أنّ العشاء سيضمّ في الخارجية الفرنسية «الشركاء الرئيسيين الملتزمين مع فرنسا تسوية الأزمة السورية، وهم: السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر وتركيا وألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا».
ولفتَ البيت الأبيض إلى أنّ الولايات المتحدة ستتمثّل بمساعد وزير الخارجية توني بلينكن.
وقال الدبلوماسي السابق والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية دوني بوشار: «يبدو أنّ القطار انطلق وتمَّ تناسينا، ونحن الآن نحاول اللحاقَ بالرَكب»، مشيراً إلى أنّ المبادرة العسكرية الدبلوماسية الروسية في سوريا «غيّرت المعطيات».
ولفت هذا الخبير إلى أنّ الأميركيين «صعدوا إلى القطار»، مع أنّهم لا يُعتبرون الأكثر تهديداً جرّاء الوضع في سوريا، لكنّهم يخشون من أن تستعيد موسكو الكثير من النفوذ في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا الاجتماع في موازاة مشاورات دولية بين الروس والأميركيين لتنظيم اجتماع مُوسّع حول الأزمة السورية، إثر اجتماع رباعي عُقد الجمعة الفائت في فيينا بمشاركة السعودية وتركيا وروسيا والولايات المتحدة.
وردّاً على سؤال في موسكو عن احتمال عقد هذا الاجتماع الجمعة في فيينا، قالت المتحدّثة باسم الدبلوماسية الروسية ماريا زاخاروفا: «نعمل على هذا الأمر».
وتوقّعَ المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية توجيه دعوة لإيران للمشاركة في محادثات متعدّدة الأطراف يوم الجمعة المقبل لبحث الصراع في سوريا، في حوار يهدف لإيجاد إطار عمل لانتقال سياسي بالبلاد.
وقال كيربي: «إنّ كيري سيسافر إلى فيينا لحضور المحادثات»، مُتوقّعاً مشاركة 12 مسؤولاً.
وشدّد على أنّ مختلف البلدان تأمل أن تصل في النهاية إلى اتّفاق حول «إطار عمل متعدّد الأطراف لعملية انتقال سياسي ناجحة في سوريا تقود إلى حكومة لا يقودها الرئيس السوري بشّار الأسد».
وفي وقتٍ لاحق، شدّد وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروق في مكالمة هاتفية، على الحاجة لمشاركة كلّ الحكومات الرئيسية بالمنطقة في جهود حلّ الأزمة السورية.
وناقشَ لافروف ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، في مكالمة هاتفية، سبلَ حلّ الأزمة السورية، وقد جرى التأكيد على ضرورة مشاركة كلّ بلدان المنطقة في هذه العملية.
وأعلن الكرملين أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز متّفقان حول ضرورة مواصلة التعاون الثنائي لتسوية الأزمة السورية، من دون أن يستبعد قيام الملك السعودي بزيارة موسكو قبل نهاية العام الحالي.
وفي سياق متصل، أفادت وكالة الأنباء السعودية أنّ الرئيس الأميركي باراك أوباما أجرى اتّصالاً هاتفياً بالعاهل السعودي أمس، جرى خلاله بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، وشدّدا على ضرورة التصدّي للدولة الإسلامية والانتقال السياسي في سوريا.
في المقابل، أعلنَ وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر أنّ بلاده الولايات المتحدة ستكثّف القصفَ الجوّي على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، ولا تستبعد القيام بـ»تحرّكات مباشرة على الأرض».
ونَقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مستشارين أمنيين في البيت الأبيض قولَهم: «إنّ أوباما يدرس خطة إرسال قوات برّية إلى الخطوط الأمامية في المعركة ضد داعش في سوريا».
من جهته، أشار رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دنفورد إلى أنّ بلاده تعتقد أنّه يوجد أقلّ من ألفين من القوات الإيرانية في سوريا تساعد القوات الموالية للرئيس السوري بشّار الأسد، وأنّ أكثر من ألف عسكري إيراني ينتشرون في العراق لدعم حكومة بغداد، مشدّداً على أنّ ميزان القوى في سوريا يميل لمصلحة الأسد.
إلى ذلك، أعربَت الإمارات العربية المتحدة ومصر عن تأييدهما لحلّ سياسي للنزاع في سوريا من دون التطرّق إلى مصير الرئيس بشّار الأسد الذي تطالب حليفتُهما السعودية برحيله كشرط للحلّ. وذكرت وكالة أنباء الإمارات أنّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وليّ عهد ابو ظبي تطرّقَ مع الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي الذي يزور أبو ظبي إلى الأزمة السورية وآخر التطوّرات والمستجدّات حولها، وأهمّية الخروج من هذه الأزمة بالتنسيق مع القوى الدولية والإقليمية بحلول سياسية تضمن أمنَ وحماية سوريا الموحّدة والحفاظَ على مؤسساتها الوطنية، وبما يحقّق تطلّعات وآمال الشعب السوري.
وفد فرنسي
وفي دمشق، أعلنت الرئاسة السورية أنّ المبادرات السياسية لن تفلح في سوريا قبل القضاء على الإرهاب، في تمسّك من جانب دمشق بموقفها من سُبل إنهاء الحرب، بعد أن دعا حلفاؤها الروس إلى إجراء انتخابات جديدة.
وقال البيان الرئاسي: «إنّ الأسد أكّد مراراً أنّ القضاء على الإرهاب يجب أن يجيء قبل أيّ مبادرات».
من جهته، أكّد النائب في المعارضة الفرنسية جان فريدريك بواسون من دمشق أنّ الحلّ السياسي في سوريا يمرّ عبر الحوار مع الرئيس بشّار الأسد.
وقال بواسون للصحافيين بعد لقائه رئيس مجلس الشعب السوري محمد جهاد اللحام برفقة نائبين فرنسيين: «بعد التداول مع زملائي البرلمانيين السوريين، وجدتُ أنّ من شأن التدخّل الروسي على الأراضي السورية بدعم من إيران أن يوفّر الاستقرار في الوقت الراهن، ويدفع تنظيم الدولة الإسلامية إلى التراجع تدريجاً».
وبدأ ثلاثة نوّاب من اليمين الفرنسي زيارة لدمشق صباح أمس آتين من لبنان، على أن يلتقي الوفد الأسد صباح اليوم.
توزاياً، أعلنت مصادر في المعارضة السورية لوكالة «آكي» الإيطالية للأنباء أنّ المبعوث الأميركي الجديد إلى سوريا مايكل راتني سيلتقي معارضين سوريين في باريس، ليتبادل معهم وجهات النظر حول آخر التطورات في الأزمة السورية.
على صعيد آخَر، استدعت وزارة الدفاع الروسية مُلحقين عسكريين من الولايات المتحدة والدول الأخرى الأعضاء في حلف شمال الأطلسي لتفسير مزاعم تقول إنّ موسكو تقصف أهدافاً مدنية في سوريا.
ونسبَت وكالة أنباء «إنترفاكس» إلى نائب وزير الدفاع اناتولي انتونوف قوله: «إنّ موسكو طلبت من الملحقين، وبينهم ممثّل عن السعودية، تبريرَ ما وصَفه بمزاعم شائنة عن قصف مقاتلات روسية لمستشفيات في سوريا، أو سحب التأكيدات».
«الحرّ» لم نزُر موسكو
في غضون ذلك، نفى ممثّلون من أربعة فصائل تقاتل تحت لواء الجيش السوري الحرّ لـ»رويترز» إرسال وفود إلى موسكو، في نفي لتقارير نقلتها وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن المسؤول في وزارة الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف قوله: «إنّ وفوداً من الجيش السوري الحر زارت موسكو عدّة مرّات، منها مرّة هذا الأسبوع».
وقال أحمد السعود قائد الفرقة الثالثة عشرة التابعة للجيش السوري الحر والتي تنشط في مناطق في غرب سوريا تقصفها طائرات روسية: «هذا الكلام غير صحيح».
وقال أبو غياث الشامي المتحدّث باسم ألوية سيف الشام، وهي جماعة تابعة للجيش السوري الحر تنشَط في جنوب سوريا: «نحن بالنسبة لنا كجيش الحر وجبهة جنوبية لا يوجد شيء من هذا، وتواصلنا مع باقي أصدقائنا في غير مناطق، ولم يذهب أحد. ونحن مستحيل أن نقبل بالذهاب إلى موسكو وأن نحاورها، ولا نريد مساعدتها».
كما نفى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، مثلَ هذه الزيارات في بيان نشِر على موقعه الإلكتروني.
«داعش» يتقدّم في حلب
ميدانياً، حقّق تنظيم الدولة الإسلامية أمس تقدّماً في محيط بلدة السفيرة، التي تُعدّ معقلاً عسكريا ًبارزاً لقوات النظام في شمال سوريا، وفق ما أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لـ»وكالة الصحافة الفرنسية»: «تمكّن تنظيم الدولة الإسلامية من التقدّم في ريف حلب الجنوبي الشرقي، بعد هجوم عنيف كسَر خلاله خطوط دفاع قوات النظام عن بلدة السفيرة، أهمّ معاقلها العسكرية» في تلك المنطقة.
وأكّد مصدر عسكري سوري لـ»وكالة الصحافة الفرنسية» «خسارة الجيش السوري بعضَ المناطق في محيط بلدة السفيرة، إثر هجوم نفّذه تنظيم داعش على تل نعام ومحيطه في ريف حلب الجنوبي الشرقي».
وفي بيان تناقلته مواقع جهادية، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية من جهته «سقوط خطوط الدفاع الأولى للنظام النصيري والسيطرة على أحياء في مدينة السفيرة الاستراتيجية». (وكالات)