كثيرون حول العالم تابعوا أمس وقائع ما شهدته العاصمة النمسوية، فيينا. لكن شخصا محددا كان بالتأكيد الاكثر اهتماما بكل ما قيل علنا في فيينا وما يمكن ان يكون قد قيل خلف الأبواب. انه بشار الأسد الذي يعرف، بعدما رضي بتسليم رأسه لروسيا وايران، ان رحيله بات الورقة المكشوفة على طاولة الاجتماعات الثنائية والجماعية، وهو ما ازداد وضوحا في وقائع امس، وقد ترسم اليوم في «فيينا 2» الموسع خارطة طريق زمنية محددة لهذا الرحيل، والا في حال مارست موسكو وايران فيتو الأمر الواقع سترسم خارطة قوة لفرض هذا الرحيل.
«سيغادر اما في نهاية عملية سياسية أو لأنه ستتم الاطاحة به بالقوة». خياران حددهما وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للأسد ولم يكن كلامه موجها له بل لوليي نظامه، روسيا وايران اللتين ستكونان اليوم، في الاجتماع الموسع، عرضة لاختبار مدى استعدادهما لاقناعه بالرحيل بـ«التراضي» على حد ما أشارت اليه واشنطن.
طهران اختارت عبر نائب وزير خارجيتها حسين أمير عبداللهيان ان ترفع السقف بالتأكيد على أن الحديث عن مستقبل الأسد «خط أحمر»، في حين قرأ مراقبون كثر مشاركة وزير خارجيتها محمد جواد ظريف في اجتماعات فيينا، أمس واليوم، باعتبارها اشارة ايجابية لأنه كان «مهندس» الاتفاق النووي مع القوى الكبرى مظهرا مقدرة كيميائية فائقة على التفاهم مع الغرب.
رأس الأسد بات معلقا بـ«خيط حرير». وليس شرطا ان يتصاعد «الدخان الأبيض» اليوم من «فيينا 2» للخلاص من ديكتاتور فتك بشعبه، لكن الحطب بات جاهزا بانتظار مَن يشعله ومقابل أي ثمن.
عشية اللقاء الدولي الموسع الذي يعقد اليوم في فيينا وتشارك فيه ايران من اجل التوصل الى حل سياسي للازمة في سوريا، أجرى وزراء الخارجية الاميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف والسعودي عادل الجبير والتركي مولود جاويش أوغلو محادثات ليلا في فيينا. والاجتماع الذي سبقه لقاء بين كيري ونظيره الايراني ، سيليه اليوم لقاء موسع مع ديبلوماسيين اقليميين واوروبيين لبحث احتمالات التوصل إلى تسوية في سوريا، حيث ادت الحرب الاهلية الى مقتل اكثر من 250 الف شخص منذ العام 2011.
وهي المرة الأولى التي تشارك فيها إيران التي تدعم عسكريا وماليا نظام الأسد، في اجتماع دولي حول سوريا.
في هذا الصدد، قال كيري امس في فيينا «لقد حان الوقت لمنح ايران مقعدا على الطاولة».
وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، قال الجبير «لا شك» في حقيقة ان الأسد يجب أن يتنحى عن السلطة، وهذه مسألة تثير انقسام اللاعبين في هذا الملف. واضاف «سيغادر اما في نهاية عملية سياسية او لانه ستتم الاطاحة به بالقوة».
ورغم اتفاق جميع الأطراف على ان افتتاح هذه المحادثات الدولية يشكل خطوة نحو حل تفاوضي للأزمة السورية، فلا أحد يتوقع اختراقا في الاجتماعات.
ويشارك في محادثات اليوم ديبلوماسيون من دول اقليمية واوروبية مثل وزراء خارجية لبنان جبران باسيل ومصر سامح شكري، وبريطانيا فيليب هاموند وفرنسا لوران فابيوس ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فديريكا موغيريني.
وستكون هذه اول مشاركة لطهران في اجتماع دولي حول الازمة السورية، اذ انها في 2012 لم تشارك في مؤتمر جنيف-1 حول سوريا ودعوتها للمشاركة في محادثات جنيف-2 في 2014 عاد وسحبها الامين العام للامم المتحدة بان كي مون اثر اعتراض الولايات المتحدة والسعودية، كما ذكرت الخارجية الايرانية.
وفي موسكو، قال لافروف قبل مغادرته متوجها الى فيينا، «تمكنا في النهاية من جمع الجميع حول طاولة واحدة دون استثناء، اللاعبين الرئيسيين (في الملف)، والاعضاء الدائمين في مجلس (الأمن) وإيران ومصر ودول الخليج والعراق».
وصرح فابيوس امس امام البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ ان «المؤتمر مرحب به انه لامر جيد ان نلتقي». واضاف «قد يكون هناك اتفاق على الوسيلة لكن اتفاقا حول الجوهر، فانه لسوء الحظ، لا يزال من السابق لأوانه، وسيكون هناك بالتأكيد عدد من الجلسات».
وحتى الان، ليس من الوارد مشاركة الحكومة السورية والمعارضة في هذه المحادثات.
وفي فيينا حدد كيري صباح امس، عدة مقابلات قبل الاجتماع الرباعي، بما في ذلك مع المبعوث الخاص للامم المتحدة الى سوريا، ستيفان دي ميستورا. وكان صرح قبل مغادرته الى النمسا بان التحدي المطروح «ليس أقل من سباق للخروج من الجحيم»، مشيرا الى ان هذه المحادثات تمثل «الفرصة الاكثر وعدا للتوصل الى انفتاح سياسي».
وكان جون كيربي المتحدث باسمه اوضح «يمكننا أن نتوقع أن أشياء مثل دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية ستتم مناقشتها وهناك نقاش حول مدة هذا الانتقال. يمكننا أن نسأل كل طرف عن المدة التي ستستغرقها المرحلة الانتقالية بحسب اعتقاده».
ولا تعلق واشنطن آمالا كبيرة على امكان احراز تقدم كبير في الاجتماع، اذ قال مساعد وزير الخارجية الاميركي طوني بلينكن خلال زيارة الى باريس «لا اعتقد انه يجب ان نتوقع تقدما كبيرا في المحادثات في فيينا»، مؤكدا ان «هذه خطوة لنرى اذا كنا نستطيع التوصل الى اتفاق حول شكل عملية الانتقال السياسي».
وقال طوم شانون مستشار وزارة الخارجية الأميركية امس إن حكومة بلاده تسعى الى اختبار مدى استعداد روسيا وإيران للضغط على الرئيس بشار الأسد لترك السلطة والتزامهما محاربة «داعش» في سوريا.
وجاء تصريح شانون ردا على سؤال لأحد أعضاء الكونغرس الأميركي عن سبب لقاء وزير الخارجية جون كيري بمجموعة كبيرة من الدول بينها روسيا وايران في فيينا هذا الأسبوع.
واضاف شانون ان الغارات الجوية التي بدأت تشنها روسيا قبل شهر غيرت بشكل ملحوظ الظروف في سوريا ووفرت فرصة لتقييم ما إذا كان لدى موسكو استعداد لمحاولة إقناع الأسد بأنه سيكون عليه في النهاية ترك السلطة، موضحا خلال جلسة استماع مخصصة للتصديق على تعيينه في منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية أي ثالث أكبر ديبلوماسي أميركي «يعتقد الوزير أنه حان الوقت لجمع الكل معا للتأكد فعليا من صدق مزاعمهم والتحقق مما إذا كان التزامهم العلني بمحاربة (داعش) والإرهاب هو التزام جاد وإلى أي مدى هم مستعدون للعمل بشكل عام مع المجتمع الدولي لإقناع الأسد بأنه سيتعين عليه الرحيل في أي عملية انتقال سياسي.»
وقال ظريف للصحافيين لدى وصوله إلى فيينا إنه لن يناقش مع كيري سوى الاتفاق النووي الموقع في تموز. وأضاف أنه لا يمكن حل الأزمة السورية بدون إيران. وأضاف الوزير الإيراني «أولئك الذين يحاولون حل الأزمة السورية خلصوا إلى أنه بدون حضور إيران لن يكون هناك أي سبيل للوصول إلى حل معقول للأزمة.»
وقال مسؤول إيراني كبير إنه لا يوجد مرشح لخلافة الأسد وإن الأولوية هي مساعدته في قتال «داعش». اضاف المسؤول الإيراني «نساعد سوريا في هذا الأمر وسنستمر في ذلك ما دامت الحكومة في حاجة للمساعدة.»
ونقل عن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف قوله امس إن موسكو تجري محادثات هاتفية مع المعارضة السورية يوميا تقريبا وتعقد اجتماعات مع ممثليها في موسكو وباريس واسطنبول. ونقلت وكالة الاعلام الروسية عنه قوله إن روسيا عقدت اجتماعات مع ممثلين عن الجيش السوري الحر كما أنها على اتصال مع الأكراد.
وفي هذا الاطار، قال جورج صبرا عضو التحالف الوطني انه لم توجه الدعوة الى المعارضة السياسية الرئيسية في سوريا ولا الى ممثلين للمعارضة المسلحة لحضور المحادثات الدولية في فيينا لبحث الأزمة السورية.
واعترضت المعارضة السورية على مشاركة إيران في المحادثات وذلك لدعمها العسكري للأسد. وقال صبرا لـ«رويترز« إن عدم توجيه الدعوة الى سوريين «تعبير عن عدم جدية المشروع». وسئل إذا كان التحالف قد تلقى دعوة لحضور المحادثات فأجاب قائلا «لم يحصل». وأضاف «هذه نقطة ضعف كبرى في هذا اللقاء لأن الأمر يبحث شأن السوريين في غيابهم.»
في مدريد، دعا الامين العام للامم المتحدة بان كي مون امس المشاركين الى اظهار «الليونة»، مرحبا بمشاركة ايران للمرة الاولى في المحادثات.
وحول مشاركة ايران في المحادثات، قال بان خلال مؤتمر صحافي في مدريد «انا متحمس للقاء قادة على مستوى رفيع في فيينا غدا (اليوم) لبحث الوضع في سوريا». واضاف «آمل ان يعالجوا فعلا هذه المسألة بابداء الليونة، مهما كانت الاختلافات في وجهات النظر السياسية وفي المقاربات. عليهم ان يتوحدوا». وذكر بان «كما اقول دائما، لا حل عسكريا» في سوريا.
وقلل وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير من شأن التوقعات بحدوث انفراج في الاجتماع الدولي لبحث الصراع السوري في فيينا اليوم الجمعة. وقال خلال زيارة لاثينا امس «لن يحدث الانفراج غدا (اليوم)«. اضاف شتاينماير ان «المحادثات ستعتبر ناجحة إذا اتفقت الدول على مبادئ مثل إبقاء سوريا دولة علمانية وإطلاق عملية لتشكيل حكومة انتقالية«، موضحا ان «هذه قضايا قد تكون مطروحة غدا (اليوم). وهذا مهم بما يكفي«.
(«المستقبل»، اف ب، رويترز)