على مسافة لا تزيد عن بضع مئات من الأمتار عن طاولة الحوار الغارقة في أزمة النفايات وفي الرهان على ما ستؤول إليه الأزمة السورية ليقرّر كل فريق من الفريقين مصير الاستحقاق الرئاسي لمصلحته بمعزل عن مصلحة الوطن وشعبه، توسّط الشيخ سامي الجميّل وفد رابطة خرّيجي رابطة الإعلام برئاسة الزميل الدكتور عامر مشموشي في المركز الرئيسي لحزب الكتائب في الصيفي، في حوار مفتوح بدأ بالوضع الإعلامي المأزوم ولم ينتهِ بالانتخابات الرئاسية والوضع الداخلي الأكثر تأزماً.
الرئيس الشاب الذي لم يمضِ على انتخابه أكثر من بضعة أشهر، في ظل أصعب الظروف التي تمر بها البلاد منذ الحرب الأهلية، والذي يختزن إضافة إلى روحية الشباب الحالم بالإصلاح والتغيير خبرة وتجارب الماضي، أطلق في هذا اللقاء الحواري سلسلة مواقف عبّرت بصدق وشفافية عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الأزمات المتتالية التي تعصف بالوطن وتحوّله إلى ورقة تتلاعب بها العواصف التي تهبّ عليه من الداخل ومن الخارج.
الشيخ سامي الذي يصرّ على أن التغيير يبدأ بالأنفس، وأن لا تغيير من دون أن نغيّر أنفسنا، ويقصد بذلك الطبقة السياسية من دون استثناء، يرفض جازماً أن يكون حزبه جزءا من الأزمة المستعصية التي يعيشها الوطن، لأنه (الحزب) متحرّر من أية ارتباطات إقليمية وداخلية، وهو يتخذ مواقفه بحسب قناعاته وبما يتفق مع المصلحة اللبنانية، ولذا ترون مواقفه متمايزة عن غيره، وهذا الأمر ينطبق على موقفنا السابق واللاحق من الحكومة التي اشتركنا فيها بوصفها حكومة إنتقالية جامعة، ومهمتها الأساسية إنتخاب رئيس جمهورية، غير أنه خلال هذه الفترة دخل البلد في «كوما» التعطيل وانسحب على الحكومة فتحوّل حضورنا من تمثيلنا في حكومة وحدة وطنية إلى وجود هدفه الحفاظ على ما تبقى من شرعية، لذلك لا نعتبر وجودنا جزءاً من فريق عمل بل من أجل الحفاظ على الإستقلال والسيادة والمؤسسات والدستور.
أما عن التلويح بالخروج من الحكومة فيردّ رئيس الكتائب بأن هذه الحكومة هي آخر معاقل المؤسسات وبالتالي آخر مكان يمكن أن يواجه هموم اللبنانيين اليومية، ولهذا السبب نحاول الحفاظ عليها مع أنها لم تعد قادرة على أي عمل بحيث أصبح وجودها أو عدمه سيان ولهذا نقول لرئيسها إذا كانت كل الأبواب قد أُقفلت ومرشحة للإستمرار هكذا عليه أن يصارح النّاس، ويتخذ القرار الذي يُمليه عليه ضميره، علماً بأننا كحزب كتائب لم نعد نرى من مبرّر لوجودها في ظل دولة أصبحت فاشلة ونعيد ونؤكد أن لا لزوم لوجودها ولكن طالما أن هناك إمكانية لتحسين الأمور والمسار نبقى نعطيها الفرص، وبكل الأحوال، فهذه الحكومة تعيش فترة تصريف الأعمال في ظل غياب رئيس الجمهورية ولهذا السبب فأي تطبيع للعمل المؤسساتي في ظل غياب إحدى السلطات هو مشكلة دستورية على كل المستويات ولأن أول عمل هو تكوين السلطة من خلال إنتخاب الرئيس ومجلس النواب.
وعمّا يفعله لو كان مكان الرئيس سلام يردّ الجميّل: المعطيات التي عند الرئيس سلام غير متوفّرة لديّ لتقدير الموقف، وما إذا كان يمكن أن يقوم بشيء ما للحكومة لكنني أتمنى أن يدعو إلى جلسة لمجلس الوزراء لرفع المسؤولية عنه ولمصارحة اللبنانيين، لا سيما وأن الأمور المتعلقة بإزالة النفايات ودفع الرواتب وما يسمّونه بالهبات وهي ليست كذلك لا يجب أن تعطّل عمل الحكومة، أما في شأن القضايا والمواضيع ذات الطابع السياسي فلا مانع من التريّث بها في ظل غياب رئيس جمهورية ومجلس نواب.
وأعطى أمثلة عن مأساوية الوضع الراهن... تصل تلزيمات الى مجلس الوزراء بصرف اموال بعشرات ملايين الدولارات، لكننا وقفنا بوجهها فالمطلوب على الاقل تحويلها الى ادارة المناقصات.. ومنها مثلا مناقصة بـ130 مليون دولار لادارة السير؟.. عملنا كل جهدنا لايقافها تاميناً للشفافية.
ويضيف الجميّل ان كل ذلك بغياب مجلس النواب بل بغياب رئيس الجمهورية الذي يرد القوانين.. والان نحن نرفض التشريع الذي يتضمن اقرار قروض اذا اقرت من دون وجود رئيس للجمهورية، فمن الذي يطلع عليها ويردها إذا شابتها اي مساءلة؟.
ويعتبر الجميّل ان مشاريع الضرورة ليس لديها اي مصوغ قانوني. أكبر خطأ يحصل بايهام الرأي العام والاعلام بان هناك اموال تأتي ونحن نفرط بها. بل هي وللحقيقة زيادة على الدين العام، فالدائنون هم مرابون من قبل البنك الدولي وغيره، فالهبات تقر بمجلس الوزراء اما الديون فتقر بمجلس النواب، وهي تزيد بارتفاع الدين العام، ولبنان دولة مفلسة فالدين العام يشكل 150% من الناتج، بينما في اليونان افلست الدولة هناك بـ120%، فوضعنا الاقتصادي اسوأ من وضع اليونان... نسبة البطالة تزيد كل سنة 2 الى 3% والنمو سلبي لأول مرة بتاريخ لبنان.. وبهكذا وضع لا أفكر بالاستدانة لاقامة حملة اصلاح في الميكانيك ولا بالاستدانة لاقامة مشروع سد «بسري» وكذلك سد «جنة» إلا اذا اردنا الذهاب بالبلد الى الافلاس. وأفض السبل للوصول الى الانهيار الكامل هو السير بالقروض التي تزيد الدين العام وفوائده والانفاق وتسرع عملية إفلاس البلد.
ويضيف، بصراحة وبعلمية أقول وفق التجارب في العالم وبناء على الارقام والوقائع في لبنان اليوم نحن على حافة الافلاس... وكل الدول التي توشك على الافلاس تقوم بعمل تقشفي، عشنا 80 عاماً دون سد بسري ولاننا الان بوضع منهار نكلف الدولة 700 الى 800 مليون دولار رغم انها ضرورية ولكن ليس اليوم ونحن على حافة الافلاس. لماذا لا نعمل بـBOT أو BBB عبر القطاع الخاص يستثمر ويطلع بالمشاريع دون تكلفة اي ليرة من خزينة الدولة، وكذلك الكهرباء، فليقم القطاع الخاص بذلك ولتحدد الدولة التعرفة والسعر.. هل هناك صفقات طبعاً هناك صفقات.
وعن الحملة التي قامت في وجهه حول ما فهم من كلام له عن النفايات الطائفية، قال الجميّل، نحن وافقنا على خطة الوزير أكرم شهيب وكان احتجاجنا على ان يعدل قرار مجلس الوزراء الذي ليس فيه مطمر لا في كسروان ولا في المتن، فجبل لبنان حمل نفايات بما يكفي ان كان في مكب برج حمود ام في مكب الناعمة، وكان القرار باقامة مطمر في عكار وآخر في البقاع. «الطائفة الشيعية» بممثليها قالوا انهم سيأخذون نفايات الضاحية على عاتقهم ونفايات بيروت الى عكار فوصل الكلام الينا ممذهب اين كسروان والمتن؟.. يعني المطلوب من المسيحيين ان يحلوا مشكلة نفاياتهم بأنفسهم.
ويضيف، انا اقول يجب الالتزام بخطة شهيب التي اقرت في مجلس الوزراء فاذا لم يتم ذلك ليذهبوا الى مجلس الوزراء لتعديل الخطة.
وعن الحلول التي تكلم عنها النائب ميشال المر، قال الجميّل «لم اطلع عليها رغم انه كلمني عالسريع عن حل في برج حمود لكنني لم اطلع على تطبيقاته».
وعن مقاطعته للحوار يقول الجميّل، نحن لا نستطيع البحث والحوار بأمور كبيرة اذا لا نستطيع القيام بازالة النفايات من الشوارع والاهتمام يمصالح الناس وعدم اجتماع مجلس الوزراء... بما ان اطراف الحكومة موجودة على طاولة الحوار ويقوم رئيس الحكومة هناك بدعوة الحاضرين لفك الحصار عن جلسات الحكومة,, رأينا ان الحوار اصبح يقف في وجه اجتماع الحكومة، لذلك نفس الاشخاص بدل الاهتمام بوضع الناس في الحكومة يجتمعون على طاولة الحوار. ونعتبر ان الحوار هو لفك الحظر عن الرئاسة والحكومة معطلة ما العمل؟ وعندما نجد حلاً لمسألة النفايات نعود الى طاولة الحوار.
اما عن فشل التسوية التي كانت مطروحة لترقية عسكريين وعدم دعوة حزب الكتائب للإجتماع المشهور، يعتبر الجميّل ان هذه الاجتماعات لا تعنيني، وهي فشلت لانها غير مطابقة للدستور او القانون، ومن يعمل تسويات لا يلزمنا بخرق القانون.
ويبدي الجميّل قلقه من وضع البلد بظل تمسك كل فريق بموقفه وانتظار كل واحد منهم الانتصار على الفريق الآخر، فـ14 آذار ينتظر انتصار المعارضة السورية وفريق 8 آذار ينتظر انتصار النظام هناك، لينقض كل فريق على الآخر، ونحن في الكتائب لا ننتظر أحداً، فنحن نريد رئيسا يحيّد لبنان لا رئيسا يكرّس إنتصار فريق على آخر، ومثل هذا الرئيس لن يصل الى بعبدا فلا الشيعي قادر على أن يأخذ لبنان الى الرئيس الذي يريده ولا السنّي وعلى المسيحي أن يقول لهم أنكم مخطئون.
لبنان لا يحتمل أي رئيس من اي فريق، وأي شخصية تمثل او تكرس فريقا على فريق لا تصل الى الرئاسة. وعلى القوى ان يكون لديها حرص ان تاتي برئيس غير محسوب على اي فريق. وبانتظار ذلك فلنمشي بالبلد وبالمؤسسات بانتظار انتهاء الصراع السوري وحماية لبنان من هذا الصراع الشيعي – السني، والمسيحي لا يمكن ان يكون طرفاً في هذا الصراع فالرهانان خاطئان، لأنه من المستحيل ان يخرج اي فريق في سوريا منتصراً، فلا الرئيس بشار الأسد سيستعيد كل الاراضي ولا المعارضة باستطاعتها الانتصار على النظام وهزيمته بظل الدعم الروسي، ولا احد يراهن في لبنان على انتصار او هزيمة الفريق الآخر او اللعب بالبلد بالبوكر، لاننا نفقد كل شيء. اما خيارنا فهو التفتيش عن شخصية اقتصادية مرموقة، ولا اكشف سرا اننا طرحنا اسم كارلوس غصن كمثال لشخص كفؤ يحب لبنان.
وعن علاقته بالنائب وليد جنبلاط يقول الجميّل: المفارقة ان جنبلاط يبتعد عن المنطق ليبقى قريباً من الواقع ونحن في حزب الكتائب نتمسك بالمنطق لنأتي به الى الواقع.
وعن قانون الانتخابات قال: نحن لم نعلن عن اي موقف او موافقة على قانون محدد.
وعن تشريع الضرورة يعتبر الجميّل ان الدستور يقول: عندما يشغر موقع رئاسة الجمهورية يصبح مجلس النواب هيئة ناخبة وينص ما حرفيته «الشروع حالا بانتخاب رئيس الدولة دون مناقشة اي عمل آخر».
نحن نقول اننا نحترم الدستور ونتمسك به، المطلوب منا مخالفة الدستور، والذي يخالف الدستور لا احد يقول له شيئاً.
وعن علاقة حزب الكتائب بفريق 14 آذار، كشف الجميّل ان لكل واحد في 14 آذار اعتباراته، وعن موقفه من قانوني الانتخابات واستعادة الجنسية، قال فليأتيا بعد جلسة انتخاب رئيس للجمهورية، مضيفاً: لا أعلم ان كان لا يزال هناك 14 و8 فالحوارات الثنائية تكسر كل الحدود.
وعن العلاقة مع حزب الله، يعتبر الجميّل ان ليس لدينا مقاطعة مع أحد سوى الحزب القومي الاجتماعي بسبب ادانته باغتيال الرئيس بشير الجميّل، وافتخاره بهذه الإدانة.
ومع العماد عون العلاقة موجودة كذلك، كما هي مع جميع الاطراف. لكن اذا وصل العماد عون الى رئاسة الجمهورية يكون قد ربح المحور السوري الايراني واذا وصل الدكتور جعجع يكون قد انتصر المحور السعودي.
فالحليف الاول عند المسيحيين للسعودية هو جعجع، كما ان الحليف الاول لدى المسيحيين لايران هو العماد عون.
مستطرداً: نحن لدينا علاقة مع كل الدول لكننا لسنا جزءاً من منظومة اقليمية، لدينا استقلالية كاملة بقرارنا وهو قرار لبناني يأخذ بعين الاعتبار المصلحة اللبنانية.
وعن القول ان لدى العماد عون أكثرية مسيحية بأكبر كتلة نيابية، اعتبر هذه الكلمة كبيرة، بأفضل الحالات يقال ان لديه النصف من المسيحيين، وعن اختيار الشيعة لرئيسهم والسنة كذلك وفق أكثرياتهم النيابية اوضح ان لدى الشيعة والسنة اجماعا وليس اكثرية، ورغم ذلك فان الطائفة السنية ومنذ خمس سنوات لم يأتِ زعيم اكثريتها رئيسا للحكومة.
وعن اختيار الرئيس سعد الحريري للرئيس تمام سلام، ووافقت عليه 8 آذار، اجاب الجميّل: فليقترح العماد عون شخصية اسم آخر توافقي على شاكلة الرئيس تمام سلام. ويُضيف: نحن نريد رئيسا توافقيا، بيار الجميّل عام 76 لم يقل انه يريد ان يصبح رئيسا للجمهورية رغم انه كان يمتلك اجماعاً مسيحياً بل توافق هو والرئيس كميل شمعون وريمون إده، وذهبوا تحت القصف لانتخاب رئيس توافقي وهو الياس سركيس، رغم ان كل واحد منهم في وقتها يعتبر نفسه اهم من العماد ميشال عون اليوم.
أما عن العلاقة مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع يقول أنها «منيحة» مع اختلاف في الاستراتيجيات وهناك اختلاف ببعض القصص. ويكشف أن جعجع لم يعد مرشحنا لرئاسة الجمهورية لانه لا أمل له بانتخابه وهذا ما ينطبق على العماد عون، هناك مسؤولية كبيرة على المسيحيين بعدم التعطيل والتوافق فيما بينهم.
وعن تعديل الدستور، يقول الجميّل: ليس لدينا اي عقدة في ذلك ونحن اصلا لم نكن مشاركين في اتفاق الطائف، كما نعتبر ان رئيس حزب الكتائب يومها جورج سعادة لم يكن يمثلنا، ونعتبر ان هذا النظام اثبت فشله، ويجب تطوير النظام السياسي فالطائف ليس ديانة، وحقنا ان نطالب بتطويره وذلك لا يحصل بالانقلاب بل من خلال المؤسسات وعبر الآليات الدستورية.
الجميّل حذّر أخيراً مما اسماه المخالفة الدستورية عبر ما يسمى بتشريع الضرورة الذي يأخذنا الى مرحلة الانقلاب وهو اخلال بالميثاق والدستور والتوازن وتطبيع الحياة بغياب رئيس الجمهورية.