لم تعد كارثة الطائرة الروسية التي سقطت في سيناء يوم السبت الماضي مجرّد حادثة طيران عادية، بعدما فرض سيناريو العمل الإرهابي من قبل تنظيم «الدولة الاسلامية - داعش» نفسه على مجريات التحقيق الذي يحاول فك «شيفرات» الصندوقَين الأسودَين.
وانطلاقاً من تقدّم فرضية العمل الإرهابي، تقاطعت ملفات محلية وإقليمية عدّة في الكارثة الجوية التي صارت مثقلة بالكثير من التحليلات والتفسيرات والتوقعات، أكثر مما هي مثقلة بمأساة 224 شخصاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، ممن لقوا مصرعهم في الحادثة.
وفي اليوم الرابع بعد الحادث، باتت التحليلات المحلية والدولية بشأن الطائرة الروسية منقسمة بين وجهتين أساسيتَين: الأولى تمثلها مصر وروسيا اللتان تدعوان إلى عدم استباق نتائج التحقيق، وتشددان على أن الحديث عن عمل إرهابي مجرّد تخمينات وتكهنات. والثانية تمثلها بريطانيا، وبدرجة أقل الولايات المتحدة، حيث خلصت لندن إلى أن الطائرة المنكوبة انفجرت في الجو نتيجة عمل إرهابي من صنيعة الفرع المصري في «الدولة الإسلامية»، وهو ما تبنّته واشنطن، وإن بشكل غير رسمي، حين كشفت عن ان احد أقمارها الاصطناعية رصد وميضاً سبق انشطار الطائرة أو رافقه.
ولعل ما يزيد من منسوب الغموض في ملابسات الكارثة الجوية أن المعلومات الصادرة بشأن التحقيقات شحيحة للغاية وهي ما زالت تضع الاحتمالات كلها على مستوى واحد من دون ترجيح أي منها.
ومع شح المعلومات المتاحة عن التحقيقات، قال مصدر مطلع في مطار القاهرة الدولي، فَضَّل عدم ذكر إسمه لـ «السفير» إن «التحقيق في حوادث الطائرات يقوم على وضع الاحتمالات كافة والبدء في استبعاد الاحتمالات غير الواردة، وحصر الاحتمالات الممكنة والبحث فيها».
وأضاف: «منذ اللحظة الأولى، هناك احتمالات مستبعدة وفق ملابسات الحادث، مثل الطقس السيئ، والإسقاط بصاروخ، وغيرها من الفرضيات التي إما لم تتوافر عواملها أصلاً، مثل الطقس السيئ، أو الصعبة جدا ولم نَرَ شواهد عليها، مثل الإسقاط بصاروخ، والذي لو حدث لرصد حتماً عبر شاشات الرادار».
وأشار المصدر إلى أن»الاحتمالين المتبقيين وفق ملابسات الحادث هما: وقوع انفجار في الطائرة أدى إلى انشطارها وتعطيل أجهزتها فوراً، حتى أن الطاقم لم يتمكن من إرسال استغاثة، أو انفجار محرك الطائرة نتيجة عطل كارثي. كما يمكن أن تكون هناك تصدعات في جسم الطائرة أدت إلى انشطارها نتيجة الاختلاف الشديد في الضغط بين داخلها وخارجها».
وفي ما يتعلق بفرضية العبوة الناسفة، قال المصدر إن «تحليل حطام الطائرة كاف لكشف آثار متفجرات في حال حدث ذلك فعلاً».
وبالنسبة الى مصر، فإن النتيجة الأولى لسقوط الطائرة على أراضيها تتمثل في التأثير السلبي للكارثة الجوية في قطاع السياحة، المثقل بارهاصات عدم الاستقرار الأمني، وتحديداً في شبه جزيرة سيناء، التي باتت ميداناً لأنشطة تنظيم «داعش».
ومن المعروف أن القطاع السياحي يعد أهم موارد النقد الأجنبي الذي تعاني مصر من نقصه بالفعل. وبحسب تقرير لمصرف «فاروس»، فقد أصبح الاحتياطي من الدولار لدى المصرف المركزي المصري أقل من مديوناته للمرة الأولى منذ العام 1992، وهو ما ينذر بخطر شديد ما لم ترفع الدولة المصرية من الموارد التي ترفد اقتصادها بالعملات الصعبة. وبحسب فاروس فقد ارتفع صافي الديون المستحقة على المصرف المركزي المصري بالعملات الأجنبية ليزيد على ما يملكه من أصول بهذه العملات بنحو 560 مليون دولار، في نهاية شهر أيلول الماضي.
ومن شأن السيناريو الإرهابي لو ثبتت صحته أن يترك تأثيراً كبيراً في قطاع السياحة، خصوصاً أن الكارثة الجوية حدثت في وقت قاتل قبيل احتفالات عيدَي الميلاد ورأس السنة وبدء الموسم الشتوي.
وبالفعل، توقع وزير السياحة المصري هشام زعزوع الذي يرافق الرئيس عبد الفتاح السيسي من لندن انخفاض حجوزات السياح الروس في سيناء بنسبة 60 في المئة، في وقت أعلنت شركتا «يورو وينغز» و «ادلفاس» التابعتان لمجموعة «لوفتهانزا» الألمانية أنهما ستوقفان رحلاتهما الجوية إلى منتجع شرم الشيخ كإجراء احترازي، وذلك بعد ساعات من إعلان الحكومة البريطانية عن تعليق الرحلات بين لندن وشرم الشيخ بعد كشف «معلومات جديدة» تدعم نظرية التفجير الإرهابي، وبدء إجراءات سريعة لإعادة 20 ألف سائح من المنتجع المصري إلى بلادهم.
ولكن الأثر الاقتصادي ليس الوحيد الذي يثير قلق السلطات المصرية، فمع تقدم فرضية العمل الإرهابي يصبح الأثر الأمني أكبر. ولا بد من الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن مواجهة الإرهاب انحصرت طوال الفترة الماضية في منطقة شمال سيناء، في حين ظل القسم الجنوبي من شبه الجزيرة المصرية بمنتجعاته السياحية آمناً، وبالتالي، فإن نجاح مجموعة إرهابية في النفاذ إلى الجنوب، وتجاوز الحواجز الأمنية في مطار شرم الشيخ لتفخيخ طائرة، ستكون له عواقب أمنية وخيمة، أقلها توسيع المواجهة مع الإرهاب من شمال سيناء إلى جنوبها المليء بالتضاريس الوعرة.
أما بالنسبة إلى روسيا، المفجوعة بأكثر من مئتين من أبنائها، فإن ترجيح السيناريو الإرهابي، وبخاصة من قبل تنظيم «داعش»، الذي تحاربه في سوريا، سيعني أن التدخل العسكري في سوريا لن يكون بلا تكاليف، وربما يدفع موسكو إلى توسيع حملتها العسكرية على الإرهاب، بما يشمل العمل إلى جانب مصر ودول أخرى.
وهكذا، فإن فرضية الخلل التقني يبدو السيناريو الأنسب لمصر وروسيا، وهو ما يفسّر إصرارهما على عدم تبني أي تكهنات، كتلك التي أطلقتها بريطانيا صراحة أمس الأول، بشأن احتمال أن تكون عبوة ناسفة قد انفجرت في الطائرة الروسية، وجددتها يوم أمس بشكل أكثر وضوحاً، حين سئل وزير خارجيتها فيليب هاموند عمّا إذا كان تنظيم «داعش» وراء الكارثة الجوية، فأجاب أن «داعش» تبنى إسقاط الطائرة «بعد التحطم مباشرة»، مضيفاً: «نظرنا في صورة المعلومات ككل بما فيها هذا الزعم، وبالطبع نظرنا في معلومات أخرى كثيرة، وخلصنا إلى وجود احتمال كبير».
كذلك، فإن النائب الأميركي مايكل ماكول، وهو رئيس لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب الأميركي، أشار إلى أن كل الدلائل حتى الآن تشير إلى أن تنظيم «داعش» نفذ هجوما بقنبلة على متن الطائرة الروسية، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأنه لا يمكن استبعاد نظرية أخرى تتعلق بتحطم ذيل الطائرة أو تعطله.
بدوره، قال المتحدث باسم الحكومة الفرنسية ستيفان لو فول إن باريس لا تستبعد أي فرضية وراء تحطم الطائرة الروسية، ومن بينها «فرضية العمل الإرهابي».
ولكن التصريحات البريطانية والأميركية والفرنسية قوبلت بفتور من قبل الكرملين الذي اعتبرها استباقا للتحقيق الذي لم يسفر عن نتائج بعد. وقال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف إن «جميع الروايات حول ما حدث وأسبابه ينبغي أن تصدر عن المحققين، ولم يردنا أي إعلان من المحققين حتى الساعة»، مضيفا أن «جميع التفسيرات الأخرى ليست إلّا تكهنات». كما شدد على أن الطائرات الروسية ستواصل الطيران من شرم الشيخ وإليها. أما العضو البارز في مجلس الاتحاد الروسي قسطنطين كوساتشيف فذهب ابعد من ذلك حين اعتبر أن التصريحات البريطانية تأتي في سياق «معارضة جيوسياسية لتحركات روسيا في سوريا».
من جهته، قال وزير السياحة المصري هشام زعزوع إن قرار بريطانيا تعليق رحلاتها من سيناء غير مبرر ودعاها إلى إلغائه على الفور. وقال الوزير المصري إن «القرار غير مبرر ويحمل العديد من علامات الاستفهام»، في حين قال وزير الطيران المدني المصري حسام كمال إن فريق التحقيقات لا يملك أي أدلة أو بيانات تؤكد فرضية التفجير الإرهابي.
والمفارقة أن التصريحات البريطانية تزامنت مع وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى لندن، فألقت بظلالها على الزيارة الرسمية المثقلة ايضاً بتصاعد الأصوات المعارِضة لها في بريطانيا على خلفية ملف الحريات العامة وحقوق الانسان في مصر.
وفي مؤتمر صحافي مشترك، قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن «مسؤوليتي كرئيس وزراء هي الحفاظ على أمن مواطني بلادي»، لكنه أكد «أننا نعمل بروح التعاون الوثيق (مع مصر) وأنا ممتن للغاية لكل الجهود التي بذلتها السلطات المصرية حتى الآن»، فيما أبدى السيسي تفهمه لحرص الحكومة البريطانية على رعاياها، مشدداً في الوقت ذاته على أن مطار شرم الشيخ آمن.