في وقتٍ التزمت فرنسا وأوروبا ظهر أمس دقيقة صمت حداداً، على أرواح 132 شخصا ًقتِلوا، وأكثر من 350 أصيبوا في الاعتداءات الثلاثة المنسّقة التي استهدفت باريس، دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، في خطاب ناريّ أمام البرلمان الفرنسي، إلى تشكيل تحالف واحد يضمّ الولايات المتحدة وروسيا، للقضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا. تَرافَق ذلك مع ترجيح باريس وواشنطن إمكانية توجيه «داعش» ضربات جديدة، وتوَعّد التنظيم الإرهابي نفسه بأعمال مماثلة في دول غربية عدة.
بدأ هولاند في خطاب أمام جلسة مشتركة لمجلسَي البرلمان في قصر فرساي، بعبارة: «فرنسا في حالة حرب»، مُعلناً زيادةً في عدد أفراد الشرطة ووقفاً للتسريح في الجيش وتعديلاً دستورياً لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب.
وكشفَ هولاند أنّ الهجمات التي نفّذها مسلحون وانتحاريون على مطاعم وحانات واستاد لكرة القدم وقاعة موسيقى، قد «صَدرت بها أوامر في سوريا، وخُطّط لها في بلجيكا ونُفّذت بمساعدة من أشخاص فرنسيين».
ولفتَ إلى أنّه سيلتقي مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في الأيام المقبلة بهدف التوصّل الى «ائتلاف كبير وموحّد» ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.
ومن المقرر أن يستقبل هولاند اليوم وزيرَ الخارجية الأميركية جون كيري في قصر الاليزيه، تعبيراً عن العلاقة القوية بين باريس وواشنطن.
وأعلنَ الرئيس الفرنسي أنّه سيطلب من مجلس الأمن الدولي الانعقاد لتبنّي قرار يؤكّد «الإرادة المشتركة لمحاربة الإرهاب». وقال هولاند: «لا ينبغي أن يكون الرئيس السوري بشّار الأسد جزءاً من حلّ الأزمة، لكنّ عدوّنا هو داعش»، مُؤكّداً أنّ فرنسا تتصدّى للإرهاب وليس لأيّ حضارة أخرى.
وأضاف في ختام خطاب استمرّ 50 دقيقة: «سنجتثّ الإرهاب»، وحينها وقفَ أعضاء من جميع الأحزاب يصفّقون وينشدون السلام الوطني الفرنسي.
وأشار إلى أنّه أمرَ بشنّ غارات جوّية على معقل الدولة الإسلامية في مدينة الرقّة السورية الليلة الماضية، وأنّه سيواصل شنّ الحرب «بلا هوادة» بإرسال حاملة طائرات لزيادة القوة الجوّية الفرنسية في المنطقة ثلاثة أمثال.
وقال: «إنّ فرنسا تريد مزيداً من القيود الفعّالة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لتجنّب العودة إلى سيطرة كلّ دولة على حدودها الوطنية وتفكيك الاتحاد الأوروبي»، لافتاً إلى أنّ قوات الأمن وضَعت أكثر من مئة شخص قيد الإقامة الجبرية وداهمَت 168 مقرّاً منذ أعلنت حالة الطوارئ التي طلبَ من البرلمان تمديدها لثلاثة أشهر.
واقترَح تدابير لتسريعِ ترحيل الأجانب الذين يُعتبرون خطراً على الأمن العام، وسحبِ الجنسية الفرنسية من المواطنين مزدوِجي الجنسية، الذين ينَفّذون أعمالاً عدائيةً ضارّة بالأمن القومي، ومنع مزدوجي الجنسية الذين يمثّلون خطراً إرهابياً من دخول الأراضي الفرنسية.
الحرب ستكون طويلة
مِن جهته، حذّرَ رئيس الوزراء مانويل فالس من أنّ «الحرب ستكون طويلة وصعبة»، وكذلك حذّر من هجمات جديدة «في الأيام أو الأسابيع المقبلة».
وقال: «نعرف أنّ هناك عمليات يَجري التحضير لها ليس ضد فرنسا فقط ،إنّما ضد دول أوروبّية أخرى أيضاً». وتدارُكاً لهذه المخاطر، شنّت الشرطة 150 عملية دهم في الأوساط الإسلامية في مجمل أرجاء البلاد.
بدوره، رأى رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون أنّ اعتداءات باريس «كان يمكن أن تحصل» في بريطانيا، وأنّ سبعة اعتداءات في «الأشهر الستة الأخيرة» قد أُحبِطت في البلاد.
«داعش»
توازياً، حذّرَ تنظيم الدولة الإسلامية في فيديو جديد أمس الدولَ التي تشارك في شنّ ضربات جوّية في سوريا، من أنّها ستَلقى نفسَ مصير فرنسا، وتوعّدَ بشنّ هجوم في واشنطن.
وأعلن رجل في الفيديو قُيل إنّ اسمَه الغريب الجزائري: «نقول للدوَل التي تشارك فى الحملة الصليبية: والله لك يوم بإذن الله كيوم فرنسا، والله إنْ كنّا دكّينا فرنسا في عقر دارها في باريس، فقسَماً قسَماً لندكنَّ أميركا في عقرها في واشنطن بإذن الله تعالى».
ولم يتسنَّ على الفور التحقّق من صحة الفيديو، الذي يبدو أنّه من صنع مقاتلي الدولة الإسلامية في محافظة صلاح الدين شمالي بغداد.
وحذّرَ الغريب الجزائري أوروبا أيضاً في الفيديو بشنّ مزيد من الهجمات.
وفي إشارة فيما يبدو إلى المحادثات الدولية لإنهاء الحرب السورية، قال رجل يدعى الكرار العراقي للرئيس الفرنسي :»قرّرنا التفاوض معكم في الخنادق لا في الفنادق».
في المقابل، رجّح مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي ايه» جون برينان في واشنطن، تحضير تنظيم الدولة الإسلامية لعمليات أخرى مشابهة لاعتداءات باريس الأخيرة.
وقال في كلمةٍ في مركز أبحاث في واشنطن: «أعتقد أنّها ليست العملية الوحيدة التي خطّط لها تنظيم الدولة الإسلامية»، مضيفاً: «إنّ التنظيم المتطرّف لا يكتفي بأن تقتصر أنشطته الدامية على العراق وسوريا، وبتأسيس فروع محلية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، بل وضَع برنامج عمليات خارجية يطبّقه الآن ويؤدي إلى مفاعيل مدمّرة».
واللافت أنّ مسؤولاً في الحكومة التركية أعلن لـ»وكالة الصحافة الفرنسية» أنّ سلطات بلاده حذّرت فرنسا مرّتين في غضون عام من أحد الجهاديين الذين فجّروا أنفسهم مساء الجمعة في اعتداءات باريس، من دون أن تتلقّى ردّاً.
وقال المسؤول الذي طلبَ عدمَ ذِكر اسمِه: «إنّ الشرطة التركية أبلغَت الشرطة الفرنسية مرّتين، في كانون الأوّل 2014 وحزيران 2015» عن عمر إسماعيل مصطفاوي أحد مهاجمي مسرح باتاكلان، مضيفاً:»لم نحصل أبداً على ردّ من فرنسا بشأن هذه القضية».
في المقابل، نقلت وسائل الإعلام الإيرانية عن قائد القوات البرّية في الجيش الإيراني الجنرال أحمد رضا بوردستان قوله: «إنّ إيران ستردّ بعنف، إذا بات مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية على أقلّ من 40 كلم من حدودها مع العراق وأفغانستان».
وأضاف: «تهديدات داعش ليست جديدة بالنسبة إلينا. ففي حزيران، حدّدنا خطاً أحمر يَبعد 40 كلم عن حدودنا عندما وصَل مقاتلو هذا التنظيم الى محافظة ديالى» في العراق والمتاخمة للحدود الإيرانية.
ويأتي هذا التصريح بعدما أكّد وزير الخارجية العراقية ابراهيم الجعفري أنّ بلاده قد تقاسَمت معلومات مع فرنسا والولايات المتحدة وإيران، تشير الى أنّ التنظيم المتطرّف قد يشنّ اعتداءات في هذه البلدان.
إجتماع وزراء خارجية «الأوروبّي»
وفي بروكسل، وجَّهت البلدان الأوروبية ومسوؤلو الاتّحاد الأوروبي أمس نداءات إلى «الوحدة» لمحاربة الإرهاب بعد الاعتداءات الدامية في باريس، وذلك خلال اجتماع لوزراء خارجية البلدان الثمانية والعشرين.
وقالت وزيرة الخارجية الأوروبّية فيديريكا موغيريني لدى وصولها: «يريدون تقسيمَنا، ما زلنا أكثر اتّحاداً»، داعيةً الأوروبّيين «إلى توحيد قواهم وتقاسُم المعلومات وتوحيد جهودهم الدبلوماسية والاقتصادية، والعسكرية أحياناً»، لمواجهة التهديد الإرهابي.
واعتبَر وزير الخارجية البلجيكية ديدييه ريندرز أنّه من الضروري «زيادة تقاسُم المعلومات الاستخباراتية» بين البلدان.
واعتبَر وزير الخارجية الألمانية فرانك-فالتر شتاينماير أنّ مِن «واجب» الأوروبّيين «أن يكونوا إلى جانب فرنسا». وقال: «يجب البحث عن حلول من أجل أن نتوصّل في النهاية الى حلّ المشكلة الأساسية، أي الحرب الأهلية في سوريا التي تدخل سَنتها الخامسة».
إلى ذلك، أعلنت النيابة العامة الفدرالية في بلجيكا أنّ القضاء وجّه الإتهام لإثنين من المشتبه بهم، ضمن إطار التحقيق في «الإعتداءت الإرهابية» في باريس.
وأضافت في بيان: «إنّ الرجلين اللذين قُبض عليهما السبت وُضعا قيد التوقيف بتهمة إعتداء إرهابي والمشاركة في أنشطة جماعة إرهابية».
ويتعلق الأمر، وفقاً لوسائل إعلام بلجيكية، بصاحب وناقل سيارة خضعت للتدقيق السبت في كامبراي (شمال فرنسا) على الطريق السريع بين باريس وبروكسل.
وتمّ اعتراضهما في حي مولينبيك قرب بروكسل بعد ذلك بساعات قليلة السبت.
وأكّد مكتب النائب العام أيضاً الإفراج عن خمسة من بين سبعة أشخاص تم اعتقالهم.
وأوضح أنّ عملية أمنية أطلقت في مولينبيك بحسب النيابة العامة، في إشارة الى عملية واسعة النطاق للشرطة صباحاً في الضاحية الغربية لبروكسل.
وأكّد المتحدث بإسم النيابة العامة الفدرالية أنّ «العملية انتهت والنتيجة سلبية ... لم يتمّ توقيف أحد».