العالم يتوحّد في أنطاليا التركية لمواجهة الإرهاب ويُعلن في البيان الختامي للدول العشرين عن سلسلة قرارات من بينها تجفيف مصادر تمويل هذا الإرهاب، وفي لبنان الذي عاد الإرهاب يضربه في الصميم يتوحّد اللبنانيون قيادات وشعباً في التعبير عن الاستنكار الشديد، وفي الدعوة السريعة إلى تسوية خلافاتهم الداخلية في أسرع وقت من أجل مواجهة هذا الخطر الذي لا يفرّق بين طائفة وطائفة ولا بين مذهب وآخر، والذي لا يمكن درء خطره إلا بوحدة اللبنانيين، وبنبذ خلافاتهم الداخلية لتعلو مصلحة الوطن على كل المصالح الأخرى.
الدعوة إلى تسوية شاملة للنزاعات والخلافات الداخلية أطلقها أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله في وقفة تعالى معها عن الجراح، وتجاوب معه بسرعة فائقة رئيس تيّار المستقبل الشيخ سعد الحريري بعدما كانت كل القيادات اللبنانية من دون أي استثناء عبّرت عن استنكارها العارم للعملية الإرهابية التي استهدفت أهالي سكان منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية وأوقعت عشرات الشهداء وعشرات الجرحى، ما أطلق عملياً البحث الجدّي عن تسوية سياسية شاملة تحصّن بلدهم في مواجهة الاستهدافات الأمنية وتجنّبه المزيد من الدماء الزكية التي تُهدر في غير موقعها.
هذه التسوية الشاملة التي غطّى الترحيب بها المشهد العام في البلاد يمكن بل يجب أن تنطلق من أسس مشتركة، لا تزال موضع بحث ومناقشات على طاولة الحوار التي ستلتئم قريباً أولها الاتفاق على إعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية بدءاً بانتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة إنتقالية تتولى إجراء إنتخابات نيابية وفق قانون جديد للإنتخابات يكون عادلاً ويحافظ على حقوق الجميع وعلى المشاركة الصحيحة بين كل المكونات اللبنانية، وذلك تحت سقف إتفاق الطائف كما جاء في المبادرة التي أطلقها أمين عام حزب الله والتي أراد من ورائها تبديد الخوف من أن يكون الحزب يتعمّد إغراق البلاد في الأزمات وفي تعطيل المؤسسات من أجل الانقلاب على اتفاق الطائف، وإعادة تكوين الدولة وفق نظام جديد مبني على المثالثة بدلاً من المناصفة التي التزم بها إتفاق الطائف بصرف النظر عن الديمغرافيا وحتى عن الجغرافيا، خصوصاً وأن الجو الدولي من بوابة اقتناع العالم كلّه بوجوب وقف النزاعات بين الدول والشعوب وتوفير الفرص أمام الجميع للتصدي للإرهاب ومن بوابة تسريع التسوية للأزمة السورية كما بدا واضحاً في اجتماع فيينا الأخير والتي تعطي انطلاقتها إشارة الضوء الأخضر للحل اللبناني ذي الارتباط الوثيق بتلك الأزمة.
عشية اجتماع طاولة الحوار تبدو الفرص كلها متاحة أمام القيادات اللبنانية التي تلتقي حول هذه الطاولة للخروج من حالة المراوحة والمراهنة والدخول في التسوية وفق سلّة متكاملة تبدأ بالاتفاق على انتخاب رئيس الجمهورية وعلى البنود الأخرى المدرجة على جدول أعمال الطاولة وفق الآليات الدستورية، وعلى هذه القيادات أن لا تفوّت هذه الفرصة.