الرياح وحدها كانت تصفر في ملعب «الملك بودوان»، فيما كان المفترض أن تضجّ مدرجاته بصفير وهتاف خمسين ألف متفرج. تم إلغاء مباراة منتخبي بلجيكا واسبانيا، تحت وقع المداهمات والملاحقات المستمرة للمتورطين في هجمات باريس. المشجعون البلجيكيون لفريقهم المصنّف أول عالمياً، مكثوا يشاهدون مستجدات العملية الأمنية. السوابق على يد «داعش» في أوروبا تصدرت أخبارهم: إنها المرة الأولى التي تلغى فيها مباراة في بلدهم نتيجة تهديد إرهابي، كما الغيت مباراة وديّة بين منتخبي المانيا وهولندا في هانوفر. كما سجل أمس سابقة تفعيل بند «الدفاع المشترك» في الاتحاد الأوروبي.
قبيل إطلاق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إعلانات الحرب، أمس الأول، أبرقت السلطات الفرنسية إلى بروكسل كي تحضّر للتعامل مع هذه السابقة. هكذا تم تغيير برنامج اجتماع وزراء الدفاع الأوروبيين، المجدول سابقاً. الجديد أعلنته الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فدريكا موغيريني، متحدثة إلى جوار وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان. كررت أن دول الاتحاد الاوروبي وافقت بالاجماع، على تفعيل الفقرة السابعة من المادة 42 في المعاهدة الأوروبية. قالت إن الأمر «غير مألوف»، وإن هذا سبب تلاوتها لنص الفقرة، لكن الأمر بدا أكثر كما لو أنه تشديد على أن المسألة تخصّ القول والفعل: «إذا كانت دولة أوروبية ضحية لعدوان مسلح على أراضيها، يجب على الدول الأعضاء الأخرى، وفق ذلك الالتزام، تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل التي في وسعها».
ليس واضحاً كيف ستكون «أوروبا في حرب»، بعد تفعيل «الدفاع المشترك»، لأنه بالأساس ليس واضحاً كيف ستكون «فرنسا في حرب» وفق إعلانات قيادتها. الواضح هو ما لن يحصل: لن تزحف الجيوش الأوروبية لمحاربة دولة «داعش» المزعومة.
بيّن الوزير الفرنسي إن بلاده ستجري مشاورات ثنائية مع نظرائها الأوروبيين، قبل أن ترسل قوائم بالمطلوب تقديمه عسكرياً. لتزيل الالتباسات، قال إن الأمر سيعني أنه «إما سيكون هناك تعاون بالنسبة لقدرات الاسناد، في ما يخص التدخل في سوريا والعراق، أو سيكون دعماً لعمليات فرنسا الأخرى»، قبل أن يضيف «قلت لزملائي إن فرنسا لا يمكنها فعل كل شيء، لا يمكنها التحرك وحدها، لا يمكنها أن تكون في الساحل (الإفريقي) وفي جمهورية افريقيا الوسطى وفي لبنان، وأيضاً استخدام خدماتنا الخاصة لتوفير الأمن الضروري على أراضينا الوطنية».
مادة «الدفاع المشترك» تعود أصولها للعام 1948. حينها، كانت المادة الخامسة في ميثاق ما كان يسمى «اتحاد غرب أوروبا»، إبان تقسيم المانيا المهزومة في الحرب العالمية الثانية. تم استلهامها في روح «معاهدة لشبونة»، التي باتت المعاهدة الأساس لعمل الاتحاد الأوروبي.
هناك مواد عدة في المعاهدة الأوروبية تشير إلى قضية الدفاع المشترك. فرنسا اختارت تفعيل مادة تجعلها المشرفة على ما يجب تقديمه، فهي من ستقوم بالاتصالات مع نظرائها وتنسق معهم الدعم المطلوب. هناك المادة 222 الأكثر وقعاً، فهي عملياً تجعل الاتحاد الأوروبي يقود جهود الحشد العسكري للرد على تهديد مشترك لأمنه.
لكن قبل ذلك، كان لافتاً أن فرنسا لم تلمح، لا من قريب ولا من بعيد، للإطار الذي يفترض به أن يضمن أمنها عند الحاجة. رغم حديث هولاند عن «حالة حرب»، لم تطلب باريس أي شيء من «الحلف الأطلسي»، الأقدر على الفعل العسكري. لم تدع لتفعيل المادة الرابعة، كما فعلت تركيا مؤخرا للتشاور في حال وجود تهديد. الأهم أنها لم تطلب تفعيل المادة الخامسة، تلك التي تمّ استخدامها مرة واحدة حينما حشدت عبرها واشنطن الحرب على أفغانستان بعد هجمات 11 أيلول 2001.
المفارقة أن المادة التي طلبت فرنسا تفعيلها، تشير في أكثر من موضع إلى أن من هم أعضاء في «الناتو»، يبقى الحلف «الأساسي بالنسبة لدفاعهم المشترك والإطار لتطبيقه». حتى أن «الدفاع الأوروبي»، في صياغات دقيقة، تم ربطه باحترام هذه القاعدة. بمعنى أدق، لا مكان لجيش أوروبي بوجود «الحلف الأطلسي».
مع ذلك، تفادى الأمين العام لـ «الناتو» يانس شتولتنبرغ، الاجابة مباشرة عن سبب هذا التناقض حينما حضر للاجتماع بوزراء الدفاع الأوروبيين. حينما سألته «السفير» عن سبب ذهاب باريس للاستعانة بالدفاع الأوروبي، المقيّد والمسقوف، بوجود عملاق «الأطلسي»، تهرب بالقول «الأمر المهم أن كل الحلفاء في الناتو، كما كل دول الاتحاد الأوروبي، يقفون بتضامن كامل مع فرنسا»، قبل أن يضيف «نحن نلعب دوراً أساسياً في القتال ضد داعش، وسنواصل القيام بذلك».
ليس معروفاً كيف ستترجم الاعلانات الفرنسية المزمجرة. تحدث هولاند عن حتمية ضبط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، محذراً من أن الثمن سيكون عودة الحدود الوطنية، ثم «تفكك الاتحاد الأوروبي» في نهاية المطاف.
هذا العبء الكبير يُلقى الآن على عاتق اليونان، مع محاولات لإنشاء قوات أوروبية للرقابة الحدودية يمكنها المساعدة. وزير الدفاع اليوناني باناجيوس كامينوس يرفض أصلاً المسؤولية التي تلقى على بلاده حيال «فقدان السيطرة» على تلك الحدود. حينما سألته «السفير» عن الاتهامات المتكررة، ردّ بلهجة صارمة أن التعامل مع «الحدود بين اليونان وتركيا تمثل حالة عاجلة»، قبل أن يضيف وهو يراقب برضى الوقع الذي ستحدثه كلماته المصقولة سلفاً: «السيطرة على الحدود من قبل وزراة الدفاع تعني أن تقتل الأطفال، وهذا أمر مستحيل».
بعض الوزراء الحاضرين جعلوا من الواضح أن سابقة تفعيل الدفاع الأوروبي المشترك، لا يجب أن تترك الخيال يجمح. سألت «السفير» وزير الدفاع التشيكي مارتين ستروبنسكي عن مجالات المساندة الممكنة، فرد بلهجة واثقة «لا أتوقع أي مساهمة بالنسبة لارسال قوات، لأن فرنسا دولة قوية وقادرة ولديها إمكاناتها الخاصة للتعامل مع الوضع مهما كان خطيراً». أما عن الاسناد المرجح، فاعتبر أن أحد مجالاته المحتملة: «تعاون دفاعي وثيق، مع تبادل معلومات، بما في ذلك المعلومات السرية، لأنه من المهم المعرفة أكثر حول تحضيرات العمليات الارهابية».
مسألة تبادل المعلومات تلعب أهمية حاسمة. لم يكن إفشال هجمات باريس يحتاج إلى إرسال بوارج وطائرات. كان يكفي معرفة تحركات الشبكة التي خططت له. الأمر محرج للأوروبيين، حتى لو تجاهلوا الحديث عنه علناً. تعطّلت مراراً محاولات لإقامة نوع من النظام الاستخباري الموحد. كل مرة كانت القضية تصطدم، كما قالت مصادر أوروبية سابقاً لـ «السفير»، بعدم وجود «الثقة الكافية» بين كل دول التكتّل لترك المعلومات تتدفق بين أجهزة دوله الـ28. أحد المصادر ذكّر بأن لدى دول أوروبا الغربية شكوكاً كبيرة بمصير المعلومات الاستخبارية حينما تصل إلى بعض دول أوروبا الشرقية، مع انتشار شبهات بأنها معرضة للفساد.
جوهرية هذه القضية جعلت ديديه ريندرز، وزير خارجية بلجيكا التي تلهث في الملاحقات الأمنية، يقول إن كل أعمال محاربة الارهاب ستكون عاجزة من دون إرساء نظام استخبارات عابر للحدود. شدد على أن ذلك يمثل «القضية الرئيسية»، مع العلم أنه يرفع صوته عبثاً بهذا الاستنتاج منذ أشهر طويلة.
كل ما يمكن لبلجيكا الآن هو مواصلة التقصي. رفعت درجة التأهب الأمني إلى الثالثة من بين أربعة مستويات. في محطات القطار والمترو، كان العابرون يعتلون قمامتهم، بعدما أغلقت سلال المهملات هناك بإحكام مخافة أن يتم تفخيفها بمتفجرات. الملاحقات مستمرة لتعقّب شبكة المشتبهين بالتورط في هجمات باريس، على رأسهم صلاح عبد السلام. إنه شقيق الانتحاري إبراهيم، والمشتبه في أنه كان مشاركاً إلى جانبه في الهجمات. اعتقلت الشرطة شخصين اثنين سافرا لاصطحابه من باريس إلى بروكسل، لكنهما أنكرا معرفتهما بأي شيء، مكررين أن صديقهما طلب أن يأتيا إليه بعدما تعطلت سيارته. ليس هذا فقط، بل إنهما أكدا عدم معرفتهما بوقوع هجمات باريس طوال ساعات القيادة إلى جانب صديقهم المطلوب الأول الآن. كانوا يتحادثون، ويسمعون الموسيقى طوال الطريق، ثم أنزلوه فجر السبت الماضي.. بجانب ملعب «الملك بودوان».