وسط جدال بتسجيلات وتصريحات متناقضة عن التحذيرات التركية المتكررة للمقاتلة الروسية قبل اسقاطها، بدا أمس ان كلاً من أنقرة وموسكو تتجهان للتهدئة على الرغم من حدة مواقف روسيا التي ارادت الانتقام عبر تكثيف غير مسبوق للقصف على المناطق ذات الغالبية التركمانية الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية.
ونشر الجيش التركي امس ما قدمه على انه تسجيلات لتحذيرات وجهت الى قائد الطائرة الروسية قبل اسقاطها الثلاثاء على الحدود السورية.
وجاء في احد هذه التسجيلات باللغة الانكليزية تسجيل تكرر للعبارات التالية «هنا سلاح الجو التركي. انتم تقتربون من المجال الجوي التركي. اتجهوا جنوبا فورا».
لكن قنوات التلفزيون الروسي نقلت عمن قالت انه الطيار الذي نجا من حادث الثلاثاء، وتمت استعادته امس فيما قتل الطيار الاخر، تأكيده انه لم يتلق «اي تحذير» ولا «اي اتصال» من الجيش التركي الذي كان قال انه اصدر عشر تحذيرات في غضون خمس دقائق.
وقد سعت تركيا الى تهدئة التوتر الحاد مع روسيا التي عادت لتؤكد انها «لن تعلن الحرب» على تركيا رغم اسقاط الطائرة الذي اعتبرته «استفزازا متعمدا» فيما اوصى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواطنيه بعدم زيارة تركيا.
وقال زير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحافي «لدينا شكوك جدية حول ما اذا كان هذا عملا عفويا، انه اقرب ما يكون الى استفزاز متعمد». بيد انه اضاف ان روسيا لن «تعلن الحرب على تركيا، العلاقات مع الشعب التركي لم تتغير».
بالمقابل، سعى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى تهدئة التوتر مؤكدا انه «ليس لدينا على الاطلاق اية نية في التسبب بتصعيد بعد هذه القضية».
كما اكد رئيس الوزراء احمد داود اوغلو ان بلاده «صديقة وجارة» لروسيا، موضحا «ليست لدينا اي نية في تهديد علاقاتنا مع الاتحاد الروسي»، مشددا على بقاء «قنوات الحوار» مع روسيا مفتوحة.
وبهدف تهدئة التوتر اتفق لافروف ونظيره التركي مولود جاوش اوغلو «على ان يلتقيا في الايام القادمة»، بحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية تانجو بلغيث.
كما تحدث وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع لافروف وطالبه بالهدوء وبالحوار مع تركيا بعد أن أسقطت مقاتلة روسية عند الحدود السورية.
وقالت الخارجية الأميركية في بيان إن الوزيرين في اتصال هاتفي «أكدا على حاجة الجانبين لعدم السماح لهذا الحادث بتصعيد التوتر بين بلديهما أو في سوريا».
وفي سياق متصل أفاد مكتب منسقة الشؤون الخارجية للاتحاد الاوروبي فيدريكا موغيريني بأن روسيا وأوروبا اتفقتا على مواصلة الجهود لايجاد حل دبلوماسي في سوريا بعد ان تحدثت مع لافروف.
وقال مكتب موغيريني ان الجانبين «اتفقا على ضرورة تأمين المسار الدبلوماسي للأزمة السورية الذي افتتح في فيينا».
الى ذلك، قام متظاهرون برشق السفارة التركية في موسكو بالحجارة أمس كانتقام لإسقاط الطائرة الروسية.
وتجمع مئات المتظاهرين وجميعهم تقريباً من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً بعد الظهر أمام السفارة التركية، ورددوا هتافات مناهضة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام أنظار الشرطة التي لم تتدخل.
ميدانياً، كثف الطيران الحربي الروسي غاراته الجوية على ريف اللاذقية الشمالي في غرب سوريا حيث اسقطت تركيا قاذفة روسية، وفق ما افاد المرصد السوري لحقوق الانسان.
ونفذ الطيران الروسي كذلك غارات على معبر حدودي مع تركيا في محافطة حلب الشمالية، وفق المرصد.
وقال مدير المرصد رامي عبدالرحمن «تشن الطائرات الحربية الروسية منذ ليل امس (الثلاثاء) غارات كثيفة على منطقتي جبل الاكراد وجبل التركمان»، اللذين يعدان معاقل الفصائل المسلحة في محافظة اللاذقية.
وأحصى المرصد 12 غارة روسية منذ صباح امس على مناطق في ريف اللاذقية الشمالي.
واوضح عمر الجبلاوي، المتحدث باسم تجمع ثوار سوريا، وهو تجمع اعلامي معني بمتابعة اخبار الفصائل المقاتلة، ان «اسرابا من الطائرات الروسية تتولى تباعا قصف جبل التركمان وجبل الاكراد منذ الامس بشكل رهيب».
وفي محافظة حلب، ذكر المرصد السوري ان مدينة اعزاز والمنطقة المحيطة بمعبر باب السلامة على الحدود التركية تعرضتا لغارات يعتقد ان مقاتلات روسية نفذتها. ويعيش في اعزاز تركمان سوريون كما في حلب واللاذقية.
وقتل ثلاثة اشخاص واصيب ستة بجروح في الغارات وفق الناشط السوري مأمون الخطيب الذي قال ان معظم الضحايا من سائقي الشاحنات.
من جهة أخرى، اقر النواب الفرنسيون أمس بشبه اجماع تمديد الضربات الجوية في سوريا التي قررها الرئيس فرنسوا هولاند في ايلول وتكثفت منذ اعتداءات باريس في منتصف تشرين الثاني.
وقد صوت النواب بغالبية 515 صوتا مؤيدا مقابل اربعة ضد وعشرة امتنعوا عن التصويت، على «تمديد تدخل القوات الجوية فوق الاراضي السورية» وذلك بموجب الدستور عندما تتجاوز مدة التدخل العسكري اربعة اشهر.
ووافق اعضاء مجلس الشيوخ على القرار بأغلبية 325 صوتا مؤيدا وامتنع 21 عن التصويت.
وقال رئيس الوزراء مانويل فالس «ما من بديل: علينا القضاء على داعش» الاسم الرائج لتنظيم الدولة الاسلامية.
وقال «نفذ اكثر من 300 ضربة» فرنسية في سوريا منذ بداية التدخل في العراق في ايلول 2014 وفي سوريا في ايلول 2015.
ومع تأييده لتمديد التدخل، انتقد اليمين الفرنسي الرئيس فرنسوا هولاند على «هدر الوقت» في التعاون مع روسيا التي يفرض عليها الاوروبيون عقوبات بسبب ازمة اوكرانيا.
وتساءل رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون عشية زيارة هولاند لموسكو «هل يمكن ان نحارب جنبا الى جنب مع روسيا في حين نفرض عليها عقوبات اوروبية» الجواب هو لا».
من جهة ثانية، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن نائب وزير الخارجية الروسي قوله أمس إن موسكو لا تفهم العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا بشأن سوريا وإن على واشنطن أن تكف عن ممارسة «ألاعيب الجغرافيا السياسية».
ونقلت الوكالة عن سيرجي ريابكوف قوله «من الواضح أن هذه لحظة جديدة معقدة في العلاقات».
وقالت وزارة الخزانة الأميركية أمس إن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على عشرة أهداف منها بنك روسي لدعمها الرئيس السوري بشار الأسد.
(«اللـــواء» - وكالات)