حينما فتح له السائق السيارة لحظة وصوله إلى بروكسل، أطل رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بصيغة مكثفة على طريقة وجوه «الميديا الاجتماعية»: وجهٌ بابتسامة عريضة لم تفارقه ليعلن ما يشبه النصر، كسب الرهان، وهو مصحوب بحشد من الوزراء والمسؤولين. قال إنه يوم «تاريخي»، أفقٌ جديدٌ لمسار بلاده «الأوروبي». إنه اليوم الذي رضخ فيه الاتحاد الأوروبي حينما أمسكته تركيا من مكان بات يؤلمه بشدة: تدفقات لاجئين جعلت اليمين المتشدد، بألوانه المتنوعة، يحقق مكاسب تهدد المشروع الأوروبي، وتهديد أمني عبر آلاف «الجهاديين» الأوروبيين، بينهم الجاهزون لتكرار هجمات باريس.
التوتر الكبير بين أنقرة وموسكو حضر أيضاً، سواء لجهة جعل الأتراك والأوروبيين رفاق خندق، أو لجهة الخشية من انحراف مسار فيينا بعد لغم إسقاط الطائرة الروسية.
هكذا كانت القمة الاستثنائية بين تركيا والتكتل الأوروبي مناسبة «بريستيجية»، أكثر منها قمة عمل فني حول تطويق قضايا تمسك تركيا بأحد أهم مفاتيح حلها. كأن الحدث ليس حول أزمة جارية، يعيشها الآن آلافُ من تقطعت بهم السبل، عالقين بين حدود الدول وأمام سدودها. طريقة حضور أوغلو ووفده، ابتسامته العريضة، كلها جعلت القمة بمثابة عرس ديبلوماسي لتركيا، بعدما أجبرت الأوروبيين على الركض خلفها لإرضائها، بعدما كانوا يتأففون لسنوات في مفاوضات انضمامها المتعثرة والبطيئة.
المطلوب واضح: تقليل تدفقات اللجوء إلى أوروبا، تمهيداً لوقفها، مع تعاون أمني يُبطل أقصى ما يمكن تهديد «الجهاديين». أوراق نجحت أنقرة في استثمارها على أكمل وجه. أما الرشوة الأوروبية، فهي باقة من المكاسب التي سعت إليها القيادة التركية لتطويب الحكم الجديد لحزب «العدالة والتنمية»، تبدأ من تسريع مفاوضات الانضمام، حتى لو كان أفق نهايتها ليس أكيداً، وصولاً إلى منح الأترك تدريجياً اتفاقية للسفر من دون «فيزا»، مع حزمة مساعدات مالية معتبرة.
اللعب التركي كان واضحاً للأوروبيين طوال الوقت، لذلك سيحصل كل شيء بالتقسيط، خطوة بخطوة. القضية في النهاية تبنّي القمة لخطة عمل، لذا تبقى خطة تحتاج العمل والتنفيذ. لن يدفعوا شيئاً من دون أن يروا نتائج، ولن يشتروا سمكاً في بحر مناورات تركيا السياسية.
هذه النتيجة كانت واضحة في حديث من لهم صلة وثيقة بما سيفعله الأتراك. حينما سألت «السفير» رئيس الوزراء اليوناني أليكسس تسيبراس عن القضية، قال بكلمات منتقاة تؤكد تلك الشكوك: «أنا واثق من أنه يجب أن نقوم بخطوات مهمة أيضاً في عملية الانضمام (لتركيا إلى الاتحاد الأوروبي)، لكن علينا أيضاً أن نفعل (ما يلزم) لنكون متأكدين من أن السلطات التركية ستقوم بكل ما يمكنها من أجل تقليل التدفقات» لسيل اللجوء، قبل أن يضيف ما يؤكد أن تركيا كانت تساوم على ورقة رابحة، لأنه «لا أحد يمكنه تحمل هذه التدفقات الهائلة، نحن في أصعب وضع بعد الحرب العالمية الثانية، هذه أكبر أزمة لاجئين واجهتها أوروبا على الإطلاق، لذا علينا التحرك بسرعة».
منذ فتحت تركيا بوابتها لسيل اللجوء، بإصرار وتصميم كانا واضحين، والأوروبيون يقلبون حساباتهم محاولين تجنب الانجرار إلى مفاوضات تكون لأنقرة فيها اليد العليا. المسألة لا تتعلق فقط باللاجئين. من يستمع للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، يمكنه أن يرى بوضوح ندوب سياسات الضرورة والحاجة، كيف راهن الأتراك على الإثبات لأوروبا أنهم صمام أمان لا غنى عنه.
جاء هولاند لإثبات الحضور، وغادر سريعاً، لكنه شدد على أنه «نحتاج التعاون مع تركيا في محاربة تهريب البشر، في القتال ضد الإرهاب، وفي السعي لحل الصراع السوري».
إنه تعاون حالة طوارئ بالنسبة لفرنسا، فرئيسها شدد على أولوية مراقبة الحدود التركية: «نعرف أن بعض المقاتلين (الجهاديين) استخدموا، وكانوا عازمين على استخدام هذا الطريق، فالإرهاب يمكن أن يتسلل أيضاً، ورأينا ذلك بعد هجمات باريس».
القمة توصلت إلى إقرار خطة العمل التي تفاوض عليها الجانبان لأسابيع. سيقدم الاوروبيون أكثر من ثلاثة مليارات يورو لأنقرة، تحت عنوان دعمها في استضافة نحو مليوني لاجئ سوري. لكن الثمن السياسي يبقى الأهم لأنقرة. تعهد الاوروبيون بفتح فصول جديدة في عملية التفاوض حول انضمام تركيا للتكتل الاوروبي. منح اتفاقية «تحرير الفيزا» للأتراك سيجري، تدريجياً، بالتزامن مع التأكد من تطبيق اتفاقية إعادة القبول، لإعادة اللاجئين المسجلين في تركيا من الدول الأوروبية إليها. مضمار التأكد من هذه الوعود سيكون العام المقبل، بما في ذلك تعهدات تركيا مكافحة شبكات تهريب اللاجئين، وأيضاً التضييق على «الجهاديين».
رئيس الوزراء التركي تحدث بطريقة احتفالية لمناسبة أرادها كذلك. قال إنه «يوم تاريخي»، مشدداً على أن المسألة بالنسبة لهم أبعد من اتفاقات تقنية: «أشكر القادة الأوروبيين على البداية الجديدة، فهي ليست بداية قمة فقط، بل بداية عملية جديدة مهمة للغاية من أجل مستقبل وطننا المشترك أوروبا». أجوبة أوغلو على المسائل التقنية بقيت معلقة في أفق الرهانات السياسية، خصوصاً في الميدان السوري. أكد أنه «لا شيء يمكنه أن يضمن» نجاعة التنفيذ لتطويق تدفقات اللجوء، لأن «عشرات خطط العمل لا يمكنها أن تعمل» إذا لم يتم التوصل إلى حل في سوريا، طبعاً كما تراه بلاده.
طريقة المساومة التركية جعلت من الواضح أن حكومتها لن تسلّم أوراق قوتها بسهولة. العملية طويلة الأجل، لإعادة الحسابات وتقبين المكاسب. حتى خلالها، ستثبّت تركيا مكاسب آنية في الأفق الأوروبي، منها عقد قمتين سنوياً مع القادة الأوروبيين، علاوة على اجتماعات رفيعة المستوى للحوار في قضايا اقتصادية وسياسية.
الأفق الأوروبي لتركيا مضى إليه أوغلو أيضاً بأشرعة الأزمة الراهنة مع روسيا، ليقول إن بلاده تجمعها وحدة حال مع أوروبا تجاه الخصوم أيضاً. الأوروبيون لديهم عقوبات اقتصادية متواصلة على روسيا، والأخيرة الآن تتبنى عقوبات اقتصادية ضد تركيا.
إشارات عديدة أثارت أسئلة حول إن كان إسقاط الطائرة الروسية مجرد حادث طارئ، على خطورته، أو جزءاً من تحوّل حقيقي. رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك قال، معدداً دواعي التقارب مع تركيا، إن «الأيام الأخيرة أظهرت أيضاً كم من المهم التعاون في السياق الجيوسياسي والجيوستراتجي». حينما سألته «السفير» إن كان يلمّح إلى التأزم بين أنقرة وموسكو، ردّ بابتسامة متوترة ان القضية «ربما ستكون جزءاً مهماً جداً من النقاش اليوم».
مع ذلك، المخاطر على مسار مفاوضات «فيينا» السوري كانت حاضرة بوضوح. سألت «السفير» وزيرة خارجية الاتحاد فدريكا موغيريني عن تأثير التأزم التركي الروسي. اعتبرت أنه يجب العمل لمنع حدوث «الخطأ الفظيع» المتمثل بتعطيل المسار السياسي الجديد، إذ قالت حول القضية: «دعوني أشدد على هذا بوضوح كبير، سيكون خطأً فظيعاً إذا أدت التوترات على الأرض، التي يمكنها أن تكون عاليةً جداً وصعبةَ التطويق للغاية، لأن نلغي أو نقوّض مستوى انخراطنا الديبلوماسي والسياسي»، معتبرة أنه يجب الحرص على «ضمان أن هذا (التأزم) لن يؤثر سلباً على المنظور السياسي، فنحن أخيراً وجدنا (مسار) فيينا مع محادثات تلمّنا جميعا حول الطاولة».
البوصلة التي أوجدها «فيينا»، بحسب موغيريني، يجب الحرص على ألا ينحرف عن وجهتها عمل الأطراف الدولية والإقليمية: «الطريق الحقيقي لهزيمة داعش على المدى الطويل هو ضمان الانتقال السياسي في دمشق، وقف إطلاق النار في سوريا، ووحدة القوى داخل سوريا وخارجها للقتال ضد داعش والنصرة».
ذلك المسار ليس الأنسب لأنقرة، كما أوضحت قيادتها. العرس الديبلوماسي التركي لا يأبه بذلك، والطريق طويلة أمام مزيد من المساومة على نقاط ضعف الأوروبيين. التقارب ضرورة مرحلية الآن، فالإقرار بحتمية ضم تركيا تعارضه حكومات أوروبية كثيرة ووازنة. قضية النزاع حول قبرص، مع تقسيمها المفروض بحكم الوجود التركي العسكري، لا تزال حائطاً آخر، اقتضت أحكام الضرورة أيضاً بالتعهد في محاولة تخطيه. العام المقبل يحمل اختبارات كثيرة لنيات التطبيق، مع الشهية التركية المفتوحة للمساومة على تدفيع أوروبا أقصى الأثمان الممكنة.