لأن هزيمة أفغانستان لا تزال ماثلة في ذهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن استراتيجيته في سوريا لا بد من أن تتغير وفي النهاية سوف يتخلى عن بشار الأسد الذي لا يمكن أخلاقياً ولا عملياً أن يستمر في السلطة. هذا ما خلص إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة المناخ التي تنظمها الأمم المتحدة في باريس، مؤكداً حق تركيا «في الدفاع عن نفسها وعن مجالها الجوي«.
وفي باريس أيضاً ولليوم الثاني على التوالي، أشاد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع روسيا في سوريا، وأكد للمرة الأولى علناً ورسمياً أن إسرائيل تنفذ عمليات في سوريا مستفيدة من هذا التنسيق.
أوباما توقع في مؤتمره الصحافي أن تغير روسيا استراتيجيتها في سوريا بعد أن تحسب تكلفة إبقاء الأسد في السلطة. وقال «أعتقد أنه من الممكن خلال الأشهر المقبلة أن نرى تغيراً في حسابات الروس، واعترافهم بأن الوقت قد حان لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا». وأضاف «لن يكون الأمر سهلاً. فقد سفكت الكثير من الدماء»، مضيفاً أن روسيا استثمرت سنوات في إبقاء نظام الأسد في السلطة. إلا أنه قال إن إسقاط تنظيم «داعش» لطائرة الركاب الروسية فوق سيناء المصرية الشهر الماضي، وإسقاط تركيا لمقاتلة روسية الأسبوع الماضي، يغير حسابات بوتين تدريجياً.
وتابع أوباما: «أعتقد أن بوتين يفهم نظراً لأن أفغانستان لا تزال ماثلة في الذاكرة، أن تورطه في نزاع أهلي نتيجته غير محسومة، ليس هو الهدف الذي يرغب في تحقيقه»، في إشارة الى التدخل الروسي في النزاع الأفغاني في الثمانينات الذي استنفد موارد موسكو.
وأقر أوباما بالاختلافات الكبيرة بشأن مستقبل الأسد، إلا أنه قال إن روسيا ستوافق في النهاية على رحيله. وقال في إشارة الى الأسد «أعتقد أن شخصاً يقتل مئات الآلاف من أبناء شعبه هو فاقد للشرعية». وأضاف «ولكن وبغض النظر عن المعادلة الأخلاقية، فمن الناحية العملية من المستحيل أن يتمكن الأسد من توحيد البلاد وأن يجمع جميع الأحزاب في حكومة شاملة».
وأوضح أوباما أن الخطوة التالية في الجهود الديبلوماسية في فيينا هي إشراك جماعات المعارضة المعتدلة «التي وبصراحة لا تجمعنا أشياء مشتركة مع بعضها، ولكنها تمثل فصائل كبيرة داخل سوريا». وأضاف «في نهاية المطاف ستدرك روسيا أن التهديد الذي يمثله داعش على روسيا وشعبها هو الأهم، وأن عليهم التحالف معنا نحن الذين نقاتل داعش».
أوباما قال بعد لقائه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في باريس إن «الولايات المتحدة تدعم حق تركيا في الدفاع عن نفسها وعن مجالها الجوي«. وأضاف «بحثنا كيف يمكن أن تعمل تركيا وروسيا معاً لتهدئة التوترات» والتوصل لمسار سياسي لحل القضية. وأكد لاردوغان أن «داعش» هو العدو الذي يجب أن تركز عليه كل الأطراف.
وقال اردوغان بعد الاجتماع بأوباما إن الجانبين بحثا التوترات التركية - الروسية. وقال أوباما إن الولايات المتحدة حريصة على تسريع وتيرة العمل لتأسيس علاقة عسكرية مع تركيا لضمان سلامة حليفتها في حلف شمال الأطلسي والمساعدة في حل الصراع في سوريا.
وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو دعا في وقت سابق أمس إلى فتح قنوات اتصال بين تركيا وروسيا للحيلولة دون وقوع حوادث مشابهة لواقعة إسقاط الطائرة الروسية أخيراً.
وقال خلال زيارة الى الشطر الشمالي في قبرص «يجب أن نجلس الى الطاولة وأن نبحث ما يجب القيام به بدلاً من توجيه اتهامات عارية عن الصحة»، في إشارة الى الاتهامات التي يسوقها بوتين والقيادة الروسية ضد تركيا، وقال: «يجب أن تعلم السلطات الروسية أن المقاتلات التركية ليست من انتهك المجال الجوي الروسي». وأضاف «حين تكون هناك حرب دائرة قرب حدودنا ويتدفق اللاجئون الى تركيا، فإن تجاهل الانتهاكات للمجال الجوي سيكون تصرفاً غير مسؤول».
كما أكد داود أوغلو أن بلاده ستواصل جهودها لطرد مقاتلي «داعش» من المنطقة الواقعة على الجانب السوري من الحدود بين البلدين.
في بروكسل، قال الأمين العام لحلف شمال الاطلسي ينس ستولتنبرغ أمس إن الحلف يُعد «إجراءات إضافية لضمان أمن تركيا«، أضاف «أود أن أؤكد أن هذا الأمر غير مرتبط بحادث الأسبوع الماضي وإنما بدأ قبل سنوات عدة كجزء من التزامنا بحليف». وكرر دعوة روسيا وتركيا الى تهدئة الأزمة بينهما. وقال «التركيز الآن يجب أن يكون على كيفية وقف التصعيد وتهدئة التوتر والآليات لكي يمكننا تجنب مثل هذا الحادث الذي وقع السنة الماضية».
وقال مسؤولون إن دول حلف شمال الاطلسي تعتزم إرسال طائرات دورية وصواريخ لتعزيز الدفاعات الجوية التركية على الحدود مع سوريا عقب إسقاط أنقرة طائرة حربية روسية في المنطقة الأسبوع الماضي.
وقال وزير الخارجية الليتواني ليناس لينكيفشيوس في بروكسل خلال اجتماعات مع وزراء خارجية آخرين بالحلف «ينبغي علينا الاستغلال الكامل لقدراتنا في مواجهة التهديدات الماثلة أمام الجناح الجنوبي للحلف.» وتتزامن تصريحات الوزير الليتواني مع مبادرات لنشر سفن وطائرات من الحلفاء. وقال «ينبغي علينا دعم حليفتنا تركيا.» وقال دبلوماسيون إنه من المحتمل أن تشمل الإجراءات المزيد من السفن من أعضاء الحلف في شرق البحر المتوسط والمزيد من طائراته المتمركزة في القاعدة التركية في انجيرليك والمزيد من بطاريات الدفاع الصاروخي علاوة على ما قدمته اسبانيا.
وقال وزراء الخارجية في بيان إن الموقف على الحدود التركية مع سوريا والعراق «غير مستقر على نحو كبير» كما أعلنوا التزامهم بتعزيز الدفاعات الجوية التركية التي وصفوها بأنها «إجراءات طمأنة.» وقال الوزراء في بيانهم «لا نزال عازمين ...على مواصلة تطوير إجراءات طمأنة إضافية في الحلف ويعمل الحلفاء على إعداد إسهامات أخرى محتملة.»
وقال ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف إنه يتوقع قرارا بحزمة (إجراءات) خلال اسابيع لكنه سعى لتبديد أي تصور لارتباط بين التعزيزات والتوغلات الجوية الروسية كما دعا روسيا وتركيا للتوصل لحل للتوترات.
وميدانياً، قالت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في سوريا هناء سنجر أمس إن ضربة جوية على محطة لمعالجة المياه في حلب يوم الخميس الماضي قطعت إمدادات المياه عن 3,5 ملايين شخص ومع أن الضخ استؤنف جزئياً إلا أن 1,4 مليون ما زالوا يعانون من نقص الإمدادات. وأضافت في بيان أن «قواعد الحرب تُنتهك في سوريا بشكل يومي بما في ذلك القواعد التي تهدف إلى حماية البنية التحتية المدنية الحيوية«.
وكان ناشطون سوريون وثقوا تنفيذ الطائرات الروسية، الأسبوع الماضي، غارات جوية عدة استهدفت محطة ضخ المياه في قرية الخفسة وتجمعاً للمدنيين، ما أسفر عن استشهاد سبعة مدنيين وسقوط عدد من الجرحى، كما استهدفت الطائرات محطة البابيري قرب مدينة مسكنة، والتي تقوم بتعقيم وتنقية المياه وضخها إلى مدن وبلدات محافظة حلب.
وفي واقعة منفصلة قالت جماعة أطباء بلا حدود الطبية إن سبعة أشخاص قتلوا و47 آخرين أصيبوا بجراح حينما أسقطت طائرات هليكوبتر أربعة براميل متفجرة على بلدة الزعفرانة إلى الشمال الشرقي من مدينة حمص يوم السبت. وأضافت أن الهجوم كان «ضربة مزدوجة» وفيها يتم تنفيذ ضربة أولية تعقبها ضربة ثانية متعمدة لإصابة المسعفين وأفراد المستشفى.
وأصاب البرميل المتفجر الأول منطقة سكنية في البلدة وسقطت البراميل الثلاثة الأخرى قرب المستشفى الذي تسانده أطباء بلا حدود ونقل إليه المصابون فدمرت المبنى جزئياً.
(أ ف ب، رويترز، الهيئة السورية للإعلام)