من الدوحة ردّ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على العقوبات الاقتصادية التي وقّع عليها نظيره الروسي فلاديمير بوتين أخيراً واقتصرت مبدئياً على الفواكه والخضار والسياحة. واستهدف الرئيس التركي الغاز السلعة الأكثر أهمية والتي تضر بمصالح موسكو، خصوصاً أن تركيا تستورد 30 مليار متر مكعب عبر خطي أنابيب خاصين، أرادتهما موسكو أن يكونا بديلين عن الخط الذي تصدر من خلاله الغاز الى أوروبا الغربية عبر أوكرانيا، بعد أن ساءت علاقة البلدين وغزت موسكو أراضي جارتها واقتطعت منها شبه جزيرة القرم.
ومن واشنطن، ردت الولايات المتحدة بأنها «لا ترى دليلاً»، على الاتهامات الروسية لتركيا بمساعدة تنظيم «داعش» على تهريب النفط الذي يستخرجه من آبار انسحبت منها القوات التابعة لبشار الأسد في سوريا، ولرئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي في العراق من دون معارك تذكر.
فقد وقعت شركة خطوط أنابيب نقل البترول التركية (بوتاش)، وشركة النفط الوطنية القطرية، مذكرة تفاهم أولية لاستيراد تركيا الغاز الطبيعي المسال من قطر على المدى الطويل وبشكل منتظم.
وأفاد مراسل «الأناضول» وفقاً لمعلومات حصل عليها، أن مذكرة التفاهم وقّعت أمس خلال اليوم الثاني من زيارة يجريها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى قطر.
وبدأ الجانبان بالإعداد من أجل تشكيل أرضية للاتفاق الأساسي، حيث من المنتظر أن يتم التوقيع على الاتفاق الذي يحتوي على تفاصيل مدة الاتفاق وكمية الغاز الطبيعي المسال المزمع استيراده من قطر، خلال وقت قريب.
وكانت تركيا وقطر وقعتا خلال العام الجاري اتفاقية بتوريد 1,2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من قطر إلى تركيا، لكن الاتفاقية الجديدة التي أعلنها اردوغان في الدوحة أمس، يبدو أنها ستُضاعف هذا الرقم مرات عدة.
وقال متعامل بسوق غاز البترول المسال لوكالة «رويترز« إن «الشركات التركية ببساطة غير قلقة من خفض تسليمات الغاز من روسيا وبسبب الوضع (السياسي) الحالي هم يستعدون بالفعل لذلك. قد تكون أعلى تكلفة لكن عملية توفير الإمدادات من أماكن أخرى في المستقبل قيد الإعداد. لا نتحدث عن تسليمات من الجزائر فحسب بل ومن الولايات المتحدة أيضاً«. ويأتي الكشف عن تلك الاستعدادات بعد أنباء بأن روسيا قد تتبنى مزيداً من الإجراءات العقابية بحق أنقرة بما يشمل تجميد العمل بمشروع خط أنابيب الغاز «تركيش ستريم«، حسبما قال مصدران في شركة الغاز الروسية العملاقة «غازبروم« لـ»رويترز«.
وقطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، وقفت على الحياد الديبلوماسي حيال أزمة إسقاط الطائرة الروسية من جانب تركيا، وعبّر وزير خارجيتها عن ثقته بأن تركيا وروسيا سيجدان حلاً سياسياً لـ»أزمة الطائرة»، لكن مراقبين يعتقدون أن ما يجمع بين قطر وتركيا أكبر بكثير من مجرد الحياد نظراً لمصالحهما ومواقفهما المتقاربة جداً في الملفين السوري والمصري.
وبرغم الضرر الآني للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها روسيا على تركيا في مجالي السياحة وتصدير المنتجات الزراعية والغذائية، يبدو أن قضية الغاز تحديداً هي الأشد خطورة على أنقرة، ويراقب الشارع التركي مسارها بدقة، فهي تؤثر على حياته اليومية بصورة كارثية خصوصاً في فصل الشتاء.
وفي المقابل، يرى فريق آخر من المراقبين أن تركيا قادرة على إحلال الغاز المُسال المنقول في سفن محل ذلك القادم إليها عبر الأنابيب من روسيا.
وبرغم أن المسؤولين الروس أكدوا أنهم ليسوا في وارد المسّ باتفاقات توريد الغاز لتركيا، إلا أن وسائل إعلام روسية ألمحت لسيناريوات من هذا القبيل، وهو ما تناولته تركيا بجدية، الأمر الذي يجعل ملف الغاز من أبرز الأولويات في جدول أعمال الرئيس التركي في الدوحة. ويرى محللون أتراك أن روسيا ستكون الخاسر الأكبر من وقف تعاونها في مجال الغاز مع تركيا لأن روسيا ليست المنتج الوحيد لهذه السلعة، وفي مقدور تركيا أن تغطي حاجاتها من منتجين آخرين كقطر وشمال العراق والجزائر ونيجيريا وربما أيضاً إيران.
وبالفعل صرح مسؤولون بحكومة شمال العراق «الكردية»، أن باستطاعة أربيل أن تزود تركيا باحتياجاتها من الغاز في حال أوقفت روسيا توريد الغاز لأنقرة.
وتعمل في قطر أكثر من 60 شركة تركية كبرى، ونحو 150 شركة صغيرة أخرى في مجال المقاولات والإلكترونيات والتجارة والبنية التحتية، باستثمارات قد تصل الى 30 مليار دولار، بينما الاستثمارات القطرية المباشرة في تركيا تصل إلى 930 مليون دولار، في مجالات الطاقة والمشاريع العقارية والزراعية والسياحة.
وقال اردوغان متحدثاً في جامعة بالعاصمة القطرية الدوحة، رداً على الاتهامات الروسية بشأن نفط «داعش»: «لا يحق لأحد إهانة تركيا بقوله إن تركيا تشتري نفط داعش«.
وكانت وزارة الدفاع الروسية قالت أمس إن لديها أدلة على أن اردوغان وأسرته يتربحون من تهريب النفط من الأراضي التي تسيطر عليها «داعش» في سوريا والعراق. وأضاف اردوغان متوعداً «إذا استمرت هذه الاتهامات فسوف نتخذ إجراءات»، لكن من دون مزيد من التوضيح.
وعلى الرغم من التوتر بين موسكو وأنقرة، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس أنه سيلتقي نظيره التركي محمود جاوش أوغلو خلال قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا هذا الأسبوع في بلغراد، في أول لقاء بين مسؤولين كبيرين من البلدين منذ أسقط الطيران التركي طائرة حربية روسية فوق الحدود السورية.وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا إن «الطرف التركي يصر على تنظيم لقاء على انفراد مع وزير الخارجية». وأضاف «لن نتهرب وسنستمع الى ما يريد جاوش أوغلو قوله. قد يكون لديه أمر جديد لم يرد علناً من قبل».
ورفضت الولايات المتحدة بشكل قاطع أمس الاتهامات الروسية بأن الحكومة التركية ضالعة مع «داعش» في تهريب النفط من سوريا. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر في تصريح صحافي إن المعلومات المتوفرة لدى الولايات المتحدة هي أن تنظيم «داعش» يبيع النفط عند آبار النفط إلى وسطاء هم بدورهم ضالعون في تهريبه عبر الحدود إلى تركيا. وتابع تونر: «نرفض بشكل قاطع القول إن الحكومة التركية تتعاون مع داعش لتهريب النفط عبر حدودها.. لا نرى بصراحة أي دليل يدعم مثل هذا الاتهام«.
وفي سياق متصل رفض المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست المزاعم الروسية، وقال إنه «إذا كانت موسكو قلقة بشأن تمويل الجماعة المتشددة فينبغي أن تتناول الأمر مع بشار الأسد».
وعن الدور الروسي في سوريا قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس للصحافيين في مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل: «من الواضح أن روسيا يمكن أن تلعب دوراً بناء ومهماً جداً للتوصل الى حل لهذه الأزمة وأعتقد ان العالم سيرحب بمبادرة التعاون هذه». وتابع «نشيد بالتزام روسيا في العملية السورية». إلا أنه أشار الى ضرورة أن «تركز» روسيا على مكافحة تنظيم «داعش» وأن تكون «صادقة عندما تقول إنها تريد تطبيق» الالتزامات التي تم التوصل اليها في جنيف من أجل حل سياسي للنزاع في سوريا.
في غضون ذلك، سمحت الحكومة التركية لفرنسا بـ«استخدام المجال الجوي التركي» في إطار التحالف الدولي لضرب «داعش».
وقال مصدر ديبلوماسي تركي إن «فرنسا طلبت منا اذناً باستخدام مجالنا الجوي (...) وأعطي هذا الاذن بشرط التقيد بالمبادئ العامة المرعية لدول التحالف الدولي».
(الأناضول، رويترز، أ ف ب)