تدلّ كل المعطيات السائدة أن كفّة انتخاب رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية بدأت تترجح في ميزان اللعبة السياسية الداخلية والإقليمية والدولية التي أطلقتها "التسوية" التي طرحها الرئيس سعد الحريري مع فرنجية في لقائهما الباريسي الأخير، والقائمة على معادلة رئيس جمهورية من فريق 8 آذار مقابل رئيس حكومة من فريق 14 آذار، أو ما بدأ يسميه البعض معادلة "سين ـ سين"، أي "سليمان ـ سعد" وهي "سين ـ سين" لبنانية كبدل عن ضائع لـ" سين ـ سين" السعودية ـ السورية التي كانت سقطت في نهاية 2010 بإسقاط حكومة الحريري.
يقول مصدر مشارك في إعداد الترتيبات اللازمة للتسوية الرئاسية إن نجاحها من عدمه يتوقف على ما سيكون عليه موقفا رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، فالأول متمسك حتى الآن بترشيحه ويستند الى تأييد حليفه "حزب الله" الذي لن يتزحزح إلا في حال غير هو رأيه وانسحب من السباق الرئاسي "راضيا مرضيا" لمصلحة فرنجية أو لخوض غمار المعارضة ضد عهده. والثاني ذهب أو سيذهب الى المملكة العربية السعودية لملاقاة الحريري العائد من إجتماعه مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولائد حيث كانت "التسوية" ثالثهما، لاطلاع القيادة السعودية على نتائجه قبل أن يعلن بإسم فريقه السياسي تأييده أو ترشيحه فرنجية لرئاسة الجمهورية، على أن يحدد جعجع بعد لقائه والحريري موقفه من هذا الترشيح قبولاً أو رفضاً، فيما كل المؤشرات تدل الى احتمال القبول أكثر من الرفض، أو حضور جلسة الإنتخاب والإمتناع عن التصويت، بحيث يكون الحضور هو الموافقة غير المباشرة على انتخاب فرنجية، لأن مجرد الحضور سيؤمن النصاب الدستوري لانعقاد جلسة الانتخاب والبالغ 86 نائباً. وحتى ولو انتخب النواب "القواتيون" عون إذا استمر مرشحا سيعد انتخابهم هذا ايضاً تصويتا غير مباشر لمصلحة فرنجية، لأن الأخير سيتمكن بمجرد انعقاد الجلسة بالنصاب المطلوب من الفوز بالأكثرية المطلقة، أي 65 صوتاً إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير.
ويعتقد المصدر أن زيارة السفير السعودي علي عواض العسيري لرئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميل أمس قطعت الطريق أمام تكون "حلف ثلاثي" مسيحي قوامه عون ـ جعجع ـ الجميل من شأنه أن يمنع انتخاب فرنجية، وما أدلى به عسيري من دلوٍ بعد هذا اللقاء دل على أن الموقف الكتائبي بات مرناً، إن لم نقل موافقا على انتخاب فرنجية. ولكن إحتياطاً يمكن القول ان مصير هذا الحلف كان ولا يزال يتوقف على ما سيكون عليه خيار جعجع النهائي بعد عودته من الرياض. إذ أن هناك من يقول إن عدم مشاركة نواب عون و"القوات" في جلسة الانتخاب يجعلها "غير ميثاقية" لأن "التيار الوطني الحر" و"القوات" يشكلان الاكثرية المسيحية الوازنة في الاستحقاق الرئاسي أو في أي عملية دستورية موازية له.
وفي رأي المصدر نفسه أن فرنجية ربما يكون قد قطع 90 في المئة من المسافة في طريقه الى القصر الجمهوري، لكن في لبنان غالبا ما تحصل مفاجآت اللحظات الاخيرة التي يمكن ان تغير السياقات والمسارات، فعبر الاستحقاقات الرئاسية منذ العام 1943 وحتى اليوم نام مرشحون رئاسيون كثيرون وهم مطمئنين الى انهم باتوا رؤساء ليتفاجأوا في اليوم التالي بالخيبة والخسران نتيجة دخول عوامل مفاجئة محلية واقليمية ودولية على خط الاستحقاق الرئاسي وغيرت في مجراه وأقرب هذه التجارب كان في خريف العام 1988 مع النائب السابق مخايل الضاهر الذي نام رئيسا على معادلة روبرت مكفرلين الأميركية ـ السورية الشهيرة "إما مخايل الضاهروإما الفوضى" ليفاجأ في اليوم التالي بأنها تبخرت نتيجة تحالف عون ـ جعجع الذي أجهضها، مثلما أجهض قبلها إنتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجية في جلسة 18 آب صيف العام 1988 أيضاً.
فترشيح الضاهر أجهضه تحالف القوى المسيحية ضده. فيما إسقاط ترشيح فرنجية الجد كان بتعطيل جلسة انتخابه وقد لعب عون الدور الأبرز في التعطيل حيث كان قائداً للجيش فيما كان الرئيس أمين الجميل في الأيام الأخيرة من ولايته الرئاسية التي انتهت في 23 أيلول 1988 بأن شكل حكومة عسكرية برئاسة عون لتعذر الإتفاق على انتخاب رئيس جمهورية جديد، استقال العسكريون المسلمون منها وظلت بتراء فيما ظل الرئيس سليم الحص مستمرا في حكومته في المقابل وكان ما كان من حروب وأحداث انتهت بإتفاق الطائف وانتخاب الرئيس رينيه معوض الذي اغتيل بعد اسابيع من انتخابه لينتخب بعده الرئيس الراحل الياس الهراوي وإطاحة عون عسكريا خريف 1990.
لكن المصدر نفسه يعتقد أن إحتمال حصول المفاجآت التي قد تعاكس حظوظ فرنجية بالنفاذ الى رئاسة الجمهورية، هو إحتمال ضئيل جداً لأن خصومه السياسيين هم الذين رشحوه أو سيرشحونه وليس حلفاؤه حتى يكون هناك خوف من مفاجآت يمكن خصومه ان يلجأوا اليها لعرقلة ترشيحه وانتخابه، ولذلك ينتظر ان يكون هو الرئيس إذا لم يتراجع خصومه لعلة ما عن تأييدهم لترشيحه في ربع الساعة الأخيرة.
المتفائلون يتوقعون انتخاب فرنجية قبل الميلاد وربما في الجلسة الانتخابية المحددة في 16 من الجاري.. لكن الاقل تفاؤلا فيتوقعون الانتخاب خلال الشهر المقبل.. أما المتشائمون فيرون ان البلد باق بلا رئيس الى اشهر بعد وان ما يجري ربما يكون مثابة صنارة رماها الخصوم في بحر فريق 8 آذار فإما تصطاد بـ"طُعمها" سمكة وربما تأكل هذه السمكة "الطُعم" وترد الصياد خائباً.
وفي أي حال لن يكون فريق 8 آذار خاسرا اذا إنتُخِب فرنجية لأن الرجل من صفوفه، بل على العكس سيكون رابحاً في هذه الحال.
وكذلك فريق 14 آذار لن يعتبر نفسه خاسرا إذا انتخب فرنجية أو لم ينتخب، فإذا انتُخب الرجل يعتبر هذا الفريق أنه قدم تنازلا لانقاذ البلاد من الفراغ. واما لم يُنتَخَب فسيلقي اللوم على فريق 8 آذار ويظهره انه هو من يعطل الحلول ويريد للأزمة ان تستمر.