تحاول دول الخليج التأقلم مع عالمٍ متغيّر. تسعى لرصّ الصفوف والوحدة والتماسك في محيط مضطّرب تخشى أن تصيبها نيرانه. تدرك هذه الدول حجم التحديات التي ألمّت بها، فضلاً، طبعاً، عن ضيق خياراتها في المواجهة، وذلك بسبب تعنّتها خصوصاً في ملف الأزمة السورية الذي تحاول ردّه إلى مربّع ما قبل «بيان فيينا»، إلى جانب «المأزق» اليمني الذي تحاول الخروج منه بـ «نصرٍ»، ولو شكلياً يحفظ ماء الوجه بعد تسعة أشهر على «عاصفة الحزم» المُدمِّرة.
القمة السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي افتتحها الملك سلمان، يوم أمس، في الرياض على أن تُستكمل اليوم الخميس، للبحث خصوصاً في الوحدة والتعاون الخليجيين، والتحديات التي يواجهها الاقتصاد الخليجي في ظلّ هبوط أسعار النفط، فيما طغت على خطابات الافتتاح، الحرب على الإرهاب، والأزمتان السورية واليمنية اللتان ينبغي أن يكون حلّهما سياسياً.
وتتزامن قمة الخليجيين مع مؤتمر المعارضة السورية الذي بدأ في الرياض أمس، بحضور معارضين من الخارج والداخل، ومندوبين عن جماعات مسلّحة، بهدف توحيد صفوف هؤلاء واختيار 20 ممثلاً منهم، تمهيداً لمفاوضات محتملة مع الحكومة السوريّة. كما تأتي قبل أيّام من مباحثات مرتقبة في سويسرا بين الأطراف اليمنيين، في محاولة لإنهاء الحرب والتوصل إلى حلّ للأزمة السياسية في هذا البلد حيث يتّسع نفوذ التكفيريين.
«الإرهاب» كان أحد العناوين الرئيسيّة في القمة الخليجية الـ 36 التي افتتحها الملك السعودي سلمان في قصر الدرعيّة في الرياض، إذ رأى أنَّ «على دول العالم أجمع مسؤولية مشتركة في محاربة التطرف والإرهاب والقضاء عليه أياً كان مصدره»، مبيّناً، في كلمته، أنَّ المملكة «بذلت الكثير في سبيل ذلك، وستستمر في جهودها بالتعاون والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة بهذا الشأن، مؤكدين أن الإرهاب لا دين له».
سورياً، أكَّد سلمان أنَّ بلاده تدعم «إيجاد حلّ سياسي يضمن وحدة الأراضي السورية، ووفقاً لمقررات جنيف 1» (30 حزيران 2012)، التي تنصّ على وقف عسكرة الأزمة، وحلّها بطريقة سياسيّة عبر الحوار والمفاوضات فقط، وهو أمرٌ يتطلّب تشكيل حكومة انتقاليّة بصلاحيات تنفيذية كاملة من قبل السوريين أنفسهم.
أمَّا في ما يتعلّق باليمن، حيث تقود السعودية حرباً منذ آذار الماضي، لم تحقّق نتائجها المُعلنة، دعَم الملك السعودي الحلّ السياسيّ في ظلّ «الشرعية». وقال: «بالنسبة لليمن، فإنَّ دول التحالف حريصة على تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن الشقيق تحت قيادة حكومته الشرعية، ونحن في دول المجلس ندعم الحلّ السياسي، ليتمكّن اليمن العزيز من تجاوز أزمته ويستعيد مسيرته نحو البناء والتنمية».
وفي ظل الظروف والتحدّيات التي تمرّ بها المنطقة، دعا سلمان دول مجلس التعاون الخليجي إلى «التكاتف والعمل معاً للاستمرار في تحصين دولنا من الأخطار الخارجية، ومدّ يد العون لأشقائنا لاستعادة أمنهم واستقرارهم»، فيما أعاد التأكيد على ضرورة حلّ القضيّة الفلسطينيّة «واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس».
أمير قطر تميم بن حمد، دعا، من جهته، المعارضة السورية المجتمعة في الرياض إلى «اغتنام الفرصة الثمينة»، لتوحيد صفوفها، وضرورة السعي لتنفيذ مقررات جنيف الأول. وقال: «في هذه الظروف التي يتعرّض فيها الشعب السوري لجرائم التهجير والإبادة الجماعيّة، نهيب بأطراف المعارضة السورية أن ترتفع إلى مستوى المسؤولية، وأن تستغل هذه الفرصة الثمينة لتوحيد صفوفها وتنسيق خطواتها إلى ما هو أبعد من تشكيل وفد تفاوضي يمثلها في مفاوضات فيينا»، مشيداً، في الوقت ذاته، بدعوة الرياض إلى مؤتمر المعارضة بشقيها السياسي والعسكري.
الأزمة السورية التي وصفها بـ «الكارثة»، اعتبر تميم أنَّ تداعياتها «تجاوزت الحدود السورية والإقليمية لتهدّد الأمن والاستقرار في العالم».
في هذا السياق، قال إنَّه «يتعيّن علينا كعرب وجزء من المجتمع الدولي، العمل على وضع حدٍّ لهذه الكارثة، واتّخاذ كل الإجراءات والتدابير التي تحقن دماء السوريين وتخفف معاناتهم، والسعي الجاد لتنفيذ مقررات جنيف 1 التي تلبّي تطلعات الشعب السوري وآماله».
وفي الشأن اليمني، أكَّد تميم الذي تشارك بلاده ضمن «التحالف» السعودي «حرصنا على استقرار اليمن ووحدته وسلامة أراضيه، كما نؤكد دعمنا الشرعية ورفض كلّ محاولات فرض فريق على اليمن بالقوة، وإدانتنا كل هذه المحاولات الفاشلة»، داعياً إلى استكمال العملية السياسية وفق المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وإعلان الرياض، وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2216.
كذلك اعتبر أنَّ الإرهاب أصبح «من أخطر التحديات التي تواجه عالمنا المعاصر وتهدّد الأمن والسلام الدوليين». ورأى أنَّ «العمليات الإجرامية التي استهدفت بلداناً عديدة تقدّم الدليل تلو الدليل على أنَّ هذه الآفة المقيتة عابرة للحدود، وأنَّ خطرها محدق بكل الشعوب والأقطار من دون أيّ تمييز».
وإلى جانب الملك السعودي الذي تترأّس بلاده القمة، وتميم بن حمد، يشارك في القمة أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وحاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، ونائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء العماني فهد بن محمود آل سعيد.