مارين لوبن خسرت الانتخابات لكن «الجبهة الوطنية» لم تُهزم.
زعيمة اليمين المتشدد لم تنتزع أياً من مجالس الإقليم الاثني عشر مساء أمس، التي تقاسمها اليمين الوسط واليسار الاشتراكي بالمناصفة تقريباً، فيما ذهبت كورسيكا إلى مرشحي لائحة دعاة إدارة كورسيكية مستقلة.
ورغم الهالة الأخلاقية التي انتزعتها مناورة الحزب الاشتراكي بسحب لائحتين في الجنوب والشمال، لتسهيل انتصار خصمه يمين الوسط على «الجبهة الوطنية»، والطلب من أنصاره التصويت، بابتلاع اعتراضاتهم، وتناسي خطب الحملة الانتخابية ضد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.
وكانت لوبن محقة في قولها إن «أحداً لن يستطيع إيقافنا» في أول تعليق لها بعد صدور النتائج ليلاً، ذلك أن ثلث الناخبين الفرنسيين «بايعوها» في الدورة الثانية من الانتخابات، وهو رصيد بات يؤهل وسطى بنات جان ماري لوبن زعيم «الجبهة الوطنية» السابق الثلاث، وأقربهن إليه، إلى ترسيخ موقعها مرشحة قوية إلى الانتخابات الرئاسية في أيار من العام 2017، وهو هدفها الأول من خوض انتخابات أمس. كما أن 30 في المئة من الأصوات رصيد لا يحظى به أي من المرشحين المعلنين من اليسار، كالرئيس فرانسوا هولاند، أو من اليمين الوسط كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي، كما لا يمكن لأي منهما أن يعتد برصيد حزبه، لأنهما لم يخوضا الانتخابات باسمهما، كما فعلت هي التي خاضت الانتخابات على رأس حزبها وفي إقليم شمالي.
كما أن ساركوزي لا يملك الادعاء أن من صوّتوا لحزبه هم جمع رصيد اليمين، لان أصواتاً يسارية اختلطت به لصد مارين لوبن عن مجالس الأقاليم، كما يمكن إنكار الحق نفسه على هولاند الذي لم يعد يظهر منذ سنتين إلا في قاع استطلاعات الرأي.
الدورة الثانية لم تحمل وعود الدورة الأولى عندما اقتربت «الجبهة الوطنية» من ثلث أصوات الناخبين، وتحولت الأسبوع الماضي إلى أكبر أحزاب فرنسا، من دون أن يسمح لها ذلك بتحقيق نصر انتخابي، حتى في المناطق التي دفع بها الناخبون إلى عتبة انتصار محقق، مع حصولها هي شخصيا في الشمال وابنة أختها ماريون مارشال لوبن على أكثر من 40 في المئة من الأصوات.
ونجح تحالف غير طبيعي في الجمهورية الخامسة بين اليسار الاشتراكي ويمين الوسط على منع مارين لوبن وحزب «الجبهة الوطنية» من السيطرة على أي من البرلمانات الإقليمية، التي تتمتع بصلاحيات «دول» صغيرة، بميزانيات ضخمة، لإدارة قطاعات النقل والتربية والتكوين المهني والبنى التحتية، والتنمية المحلية والثقافة. واستطاعت حملة الحزب الاشتراكي ويمين الوسط بفك إضراب ثمانية في المئة من الفرنسيين عن التصويت، وارتفاع نسبة الناخبين من 50 في المئة في الدورة الأولى إلى 58 في المئة في الدورة الثانية. لكن الحملة لم تستطع أن تمنع من تكريس الثلاثية الحزبية، وطي احتكار يسار ويمين الوسط ثنائية التنافس، في دورات الانتخابات الثانية، التي تتنافس على مؤسسات الجمهورية الخامسة.
وليس قليلاً، رغم الخسارة، أن تصبح مارين لوبن زعيمة أقوى حزب في فرنسا. لكن المفارقة أنها لن تتمكن، رغم تسيدها ذلك المركز، من دخول قلب المؤسسات السياسية، والانتقال من قيادة حزب معارض إلى قيادة الجمهورية، أو المشاركة في صياغة قراراتها. وهي مفارقة مبنية على تفاهم اليمين واليسار على منعها بأي ثمن من اختراق المؤسسات. ولكن درس الانتخابات أمس، هو أن اليمين واليسار على السواء خاسران انتخابياً، على المدى الأبعد، سواء انتصرت مارين لوبن أو خسرت فإنها لن تتوقف عن حصد المزيد من الأصوات. فالانتصار سيزيد، على المدى القصير، شعبية زعيمة «الجبهة الوطنية» التي تخيف الأحزاب التي لم تنجح في حل مشكلة البطالة التي تطال أربعة ملايين فرنسي، ولا في وقف موجات الهجرة التي تلوّح لوبن بخطرها في كل مناسبة، ولا في ضمان أمن فرنسا، بعد هجمات «داعش» في قلب باريس قبل شهر. كما أن الخسارة بسبب تحالف اليمين واليسار، سيمنح تمثيلها دور الضحية لمؤامرة الطبقة السياسية، وتعاطف المزيد من الفرنسيين معها.
كما أن المرأة لم تتردد في قتل أبيها سياسياً، وطرده من الحزب الذي أسسه قبل أن تولد، من أجل التخلص من تصريحاته «اللاسامية» التي تكلفها اتهامات بالفاشية والعنصرية. وأصوات بعض الناخبين، باتت تنظر إلى رصيدها الانتخابي، وإن لم يترجم داخل المؤسسات، بصفته تأييداً كبيراً للتجديد الذي بدأته، داخل حزبها، بالتخلص من الحرس «الفاشي» القديم، ومخلّفات اليمين الفرنسي المتطرف، خلال الحرب العالمية الثانية، وهزيمة فرنسا في الجزائر.