انتقل الإقتصاد الأميركي الى الضفة الأخرى من الانتعاش الإقتصادي وقد أُعلن ذلك رسمياً مع رفع أسعار الفائدة الذي نقل العالم الى زمن آخر من ارتفاع كلفة الاقتراض. لكنّ ذلك ترك بقية العالم يتخبّط بما قد يكون ركوداً اقتصادياً كبيراً في العام 2016 وخصوصاً في الأسواق الناشئة.
تجاوزت الولايات المتحدة الاميركية كلّ المعوقات والصعوبات والتوصيات الدولية وأقرّت اخيراً أوّل رفع لاسعار الفائدة مؤكدة نجاح العلاجات الاقتصادية والمالية والنقدية الجديدة من نوعها والتي اعتمدتها لإخراج اقتصادها من الركود وإعادة الحياة الى سوق الوظائف.
إذ إنه اقتصادياً ومالياً لا يمكن أن تلجأ دولة ما الى رفع أسعار الفائدة قبل تأكّدها من أنّ اقتصادها بدأ بإظهار الكثير من إشارات القوة والصلابة الى حدّ يدفعها الى استعمال بعض الفرملة للسيطرة على النموّ وضبط إيقاعاته خصوصاً من ناحية التضخّم الذي يرافق عادة القوّة الاقتصادية.
الولايات المتحدة الاميركية أكدت مصداقيّتها بأنها تؤجّل رفع الفائدة الى أقصى ما يمكن، لكنّ الرفع يجب أن يحصل وقد حصل فعلاً غير أنّ الخبراء الاقتصاديين العالميين ينتقدون الولايات المتحدة على أساس أنّ رفع أسعار الفائدة سوف يُلحق الأذى بالكثير من الدول العالمية الأخرى ولا سيما الاسواق الناشئة واسواق التسليف والاقتراض.
إذ إنّ إعلان رفع الأميركيين للفائدة نقل العالم من مرحلة زمنية طويلة من الفائدة القريبة من الصفر وأحياناً السلبية الى زمن جديد من ارتفاع كلفة الاقتراض. ويأتي ذلك في عالم مثقل بالديون السيادية والديون الخاصة.
ويجرى ذلك في عالم دخل مرحلة جديدة من محاربة الارهاب الذي يهدّد بالضرب في كلّ مكان وفي زمن تراجع أسعار النفط الى ما دون الـ 35 دولاراً وتداعيات ذلك على الدول المنتجة للنفط خصوصاً تلك التي بدأت تعاني مالياً من تراجع الأسعار وقد بدأت فعلياً تلجأ الى الاستدانة من الأسواق العالمية وها هي الآن أمام الاستدانة بكلفة أكبر.
ويبدو أنّ الأسواق العالمية دخلت في مرحلة جديدة من الإرباك والغموض إزاء الاتجاهات المقبلة للأسواق المالية في مختلف قطاعاتها ورغم تماسك بورصات الاسهم العالمية بداية رفع اسعار الفائدة إلّا أنها عادت للتراجع بعد ذلك وقد ربط البعض هذا التدهور اللافت بتراجع أسعار النفط التاريخي المستمرّ بحسب البعض حتى العشرين دولاراً للبرميل.
ويبدو الدولار الأميركي متقدّماً مع بعض التردّد إذ يقول خبراء إن الأسواق قد سبق واستوعبت وتأقلمت مع أجواء رفع اسعار الفائدة الاميركية وإنّ مفاعيل هذا الرفع قد استنفذت عند هذه المستويات خصوصاً مع عدم توقّع إقرار أيّ رفع جديد قبل شهر آذار 2016 أو حتى حزيران من العام المذكور.
وفي حين تراجعت مؤشرات البورصات الاميركية والاوروبية والآسيوية بشكل كبير في نهاية الاسبوع كان اليورو متماسكاً عند مستوى 1,0868 دولار والين الياباني عند 121,15 يناً للدولار والفرنك السويسري عند 0,9922 فرنك للدولار الاميركي الواحد وكان كلّ من الينّ الياباني والفرنك السويسري أكبر الرابحين نتيجة كونهما عملتين ملاذاً آمناً في فترات الاضطرابات والغموض في الأسواق العالمية. أما الجنيه الاسترليني فكان ضعيفاً جداً عند مستوى 1,4896 دولار أما الدولار الاوسترالي فتماسك عند مستوى 0,7172 دولار.
كما تماسكت أسعار الذهب عند مستوى 1065 دولاراً للأونصة والفضة عند 14,08 دولاراً للأونصة في حين واصلت أسعار النفط في نيويورك تراجعها الى 34,55 دولاراً للبرميل وسط تزايد في المعروض النفطي العالمي كما تراجع نفط برنت الخام في أوروبا الى 36,88 دولاراً للبرميل.
وعلى رغم إظهار الاقتصاد الاميركي انتقاله الى الضفة الأخرى من الانتعاش الاقتصادي إلّا أنه لم يفعل شيئاً إزاء الأداء الاقتصادي في الدول والاقتصاديات العالمية الأخرى.
إذ يعاني ما تبقّى من العالم من تباطؤ اقتصادي يتوقّع الخبراء أن يتحوّل الى ركود اقتصادي عالمي في العام 2016 خصوصاً أنّ هذا الركود قد يضرب بقوة الاسواق الناشئة التي يُتوقع أن تشهد هروباً واسع النطاق للأموال الى الولايات المتحدة الاميركية للإفادة من تحسّن أسعار الفائدة.