ظهر «حزب الله» في اليوم الثاني من إفادة النائب وليد جنبلاط بالمواصفات التي يتطلع إليها الادعاء العام لدى غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الخاصة بلبنان: علاقة جيدة جداً بالنظام السوري في المرحلة المكونة لقرار اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ونظرة عدائية واحدة الى القرار 1559 وللرئيس الفرنسي في حينه جاك شيراك، وللمخونين بسبب تهمة الاشتراك بصناعته (الحريري) وتأييده (جنبلاط).
هذه المواصفات التي قدمها جنبلاط لـ«حزب الله» غالية جداً بالنسبة للادعاء العام الذي أعلن بوضوح عبر وكيله البريطاني غرايم كاميرون - خلال جلسات الاستماع الى إفادة النائب عاطف مجدلاني- أنه يتطلع الى ربط النظام السوري، وهو مصدر التهديدات ضد رفيق الحريري، بحزب الله، وهو المنظمة التي ينتمي اليها المتهمون الخمسة بالاشتراك والتدخل باغتيال الحريري في «عملية عسكرية«.
وإذا كان بشار الأسد قد هدد الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتكسير لبنان فوق رأسه، إذا حاول شيراك إخراجه من لبنان (كان يتم تجهيز القرار 1559)، فإن «حزب الله» قاد، وفق جنبلاط، تظاهرة في شوارع بيروت، تأييداً للنظام السوري الحليف، مندداً بشيراك والقرار 1559، مستعملاً الأدبيات نفسها التي ساقها النظام السوري ضد الحريري وجنبلاط.
ووضع جنبلاط، بشهادته، غرفة الدرجة الأولى في صورة تصوره لخلفية جريمة 14 شباط 2005: النظام السوري اتهم الحريري زوراً بالوقوف وراء القرار 1559، ورفض كما هي عادة الأنظمة الشمولية - الديكتاتورية- الاستبدادية، كل نقاش في الأمر، وحكم الإعدام بحق الحريري أصدره بشار الأسد في 26 آب 2004 وتأخّر تنفيذه.
وكشف غرايم كاميرون استراتيجيته، عند استيضاحه عن أسباب إصراره على مناقشة مواقف جنبلاط الهادفة الى تحرير لبنان من الهيمنة السورية بدل التركيز على رفيق الحريري، فلفت الى أن موقف الحريري الحقيقي في تلك الحقبة كان يعبر عنه جنبلاط، بدليل أن الحريري كان قد أعلن أنه ووليد جنبلاط واحد.
ولم يخيب جنبلاط ظن كاميرون، فأشار الى أنه كان والحريري شخصاً واحداً في تلك المرحلة وأن الموقف الرسمي لرفيق الحريري أعلن عنه، بعد تردد، بإرسال الشهيد باسل فليحان والنائب السابق غطاس خوري، الى لقاء «البريستول« الثالث حيث صدر بيان يُطالب بخروج سوري كامل من لبنان تطبيقاً لاتفاق الطائف، لأن موقف الحريري الحقيقي هو تحرير لبنان من الهيمنة السورية وفق الطائف، ولكنه كان قبل الانضمام الى لقاء «البريستول« يعمل لذلك على طريقته، كاشفاً عن خطة وضعها مع الحريري، لمواجهة الهيمنة السورية بطرق عدة، وأهمها نيل الأكثرية في الانتخابات النيابية، التي كانت مقررة في أيار من العام 2005 وتحرير اللوائح الانتخابية من الودائع السورية و»كل القناديل اللبنانية«.
محاولة اغتيال النائب مروان حماده كانت محورية في إفادة جنبلاط، فوجه التهمة بارتكابها الى النظام السوري، مستنداً بذلك الى حدثين حصلا بعيد المحاولة، وقد تمثل الأول باتصال تلقاه جنبلاط من العماد السوري حكمت الشهابي طلب فيه منه أن «انتبه على نفسك»، فيما تمثل الثاني بإعلان نائب الرئيس السوري في حينه عبد الحليم خدام، عندما انتقل الى بيروت للاطمئنان على حماده، بأنه هو أيضاً كان قد تعرض لمحاولة اغتيال مماثلة دبّرها له رفعت الأسد.
وقد أشار جنبلاط الى أنه فهم من ذلك أن الشهابي وخدام يبلغانه، على طريقتهما، بأن الجريمة أسدية بامتياز.
وفيما لفت جنبلاط الى أن محاولة اغتيال حمادة كانت رسالة مزدوجة له وللحريري، لفت الى أن رفيق الحريري أبلغه قبل ستة أيام على 14 شباط 2005بأن النظام السوري سيغتال إما الحريري وإما جنبلاط.
ومرة جديدة ربط جنبلاط بين رفيق الحريري وكمال جنبلاط، فاعتبر أن الحريري كان يشعر بالخوف، تماماً كما شعر كمال جنبلاط بالخوف، عندما عاد من مصر الى لبنان، ولذلك كتب مقالاً بعنوان: «ربي، اشهد أنني بلغت«.
وفي وقفة وجدانية - جنائية، توقف جنبلاط مع الادعاء العام أمام صورته في لقاء «البريستول« مع الرئيس أمين الجميل، فقال إنهما خاضا الحرب في لبنان ولكن كل لمصلحة طرف خارجي، وبالنتيجة خسر اللبنانيون من ذلك، مؤكداً أن هذه الصورة، بما تعنيه من تلاقي المسلمين والمسيحيين، تغضب النظام السوري الذي كان يريد أن يفرق ليسود.
«حزب الله«
وبالعودة الى موضوع «حزب الله» وارتباطه بالنظام السوري، فقد أثار الادعاء العام هذه المسألة مرتين، في جلسة الأمس.
المرة الأولى، سأل كاميرون جنبلاط عن فهمه للعلاقة بين «حزب الله« وسوريا بين تشرين أول 2004 و14 شباط 2005، أي في «الفترة الاغتيالية»، فرد جنبلاط: تاريخياً العلاقة كانت جيدة جداً وفي تلك الفترة لم يتغير شيء. وعندما أرسي اتفاق الطائف تم تجريد كل الميليشيات من السلاح باستثناء ميليشيا «حزب الله« التي نسمّيها اليوم مقاومة، وذلك بالاتفاق بين سوريا والفرقاء اللبنانيين. علاقة «حزب الله« بالنظام السوري كانت مثل علاقتي بسوريا، أي مؤيدة لسوريا. ولكن «حزب الله« لم يتغير كما تغيرت أنا وتصاعدياً بدءاً بالعام 1998 .
وبعد ذلك سأل كاميرون جنبلاط إذا كان يتذكر أن «حزب الله« قاد تظاهرة موالية لسوريا في شوارع بيروت ضد القرار 1559، فرد بالإيجاب قائلاً إنها تظاهرة نددت بالرئيس جاك شيراك، ثم استفسر منه عن خلفية «حزب الله« لقيادة هذه التظاهرة فأجاب: «لسبب بسيط، فحزب الله متحالف مع النظام السوري لذلك تلتقي هذه التظاهرة مع الكلام الذي جرى فيه تخويني أنا والحريري، وتلتقي مع التوجه السوري أن رفيق الحريري متآمر على المصلحة السورية. هذا يدخل في سياق التحالف الطبيعي بين حزب الله وسوريا.»
وليد جنبلاط يعود اليوم الى منصة الشهود، ومن المتوقع أن ينهي كاميرون استجوابه التمهيدي لتبدأ فرق الدفاع الاستجواب المضاد المقرر أن يستمر غداً الخميس أيضاً.
الاستجواب المضاد لا يبدو أنه سيكون سهلاً، فوليد جنبلاط قدم أمس دليلاً على أنه سيدافع بقوة عن مصداقيته، عندما حاول أحد محامي الدفاع (كورسال لا بروس) السخرية على ذكر جنبلاط للأمير فخر الدين وعدم معرفة جنبلاط بموكله.