في الوقت الذي يعيش فيه لبنان ساعاتٍ حاسمة قبل استقبال البابا لاوون الرابع عشر، رسول السلام، وقد عمّت التحضيرات مختلف المناطق استعداداً للزيارة التاريخية، يحاول اللبنانيون توجيه أنظارهم نحو حدث يوحّدهم وسط أزماتهم المتلاحقة.
غير أنّ أجواء الترقّب هذه لا تسلم من محاولات التعكير، إذ تواصل إسرائيل إطلاق تهديداتها وقرع طبول الحرب، في محاولة لصرف الأنظار عن مشهد وطني ينتظر أن يطغى عليه حضور الحبر الأعظم ورسائله الداعية إلى السلام والعدالة. وقد أشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أنّ إسرائيل أبلغت الحكومة اللبنانية أنها إذا لم تتحرّك ضد حزب الله فإنها ستوسّع من هجماتها، مؤكدة أنّ الرسالة نُقلت عبر الإدارة الأميركية خلال الأيام الأخيرة، وأنّ إسرائيل قد تهاجم مناطق لم تصلها من قبل بسبب الضغط الأميركي.
كذلك، كشفت الهيئة أنّ الجيش الإسرائيلي عدّل إجراءاته العسكرية بما يتلاءم مع زيارة البابا المرتقبة إلى بيروت.
وأفادت القناة 13 الإسرائيلية بأنّ "الكابينيت" تلقّى خططًا لتكثيف القتال في لبنان ومنع تعاظم قوة حزب الله، وأضافت أنّ التقديرات تشير إلى أنّ الحزب لن يردّ قريبًا على اغتيال رئيس أركانه هيثم الطبطبائي. وتابعت القناة أنّ "الجيش عرض على المستوى السياسي خططًا لعملية عسكرية محتملة في لبنان بعد انتهاء مهلة ترامب نهاية العام".
من جهته، أكّد السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أنّ قرار تل أبيب في ما يتعلّق بأمنها هو "قرار سيادي مستقل"، مشددًا على أن واشنطن لا تمنح "إذن مرور" لأي خطوة عسكرية تتخذها إسرائيل.
وفيما اكتملت الاستعدادات الرسميّة والكنسيّة والشعبيّة لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر في زيارة تستمر حتى الثلاثاء تحت شعار "طوبى لفاعلي السلام"، يصل البابا إلى لبنان بعد ظهر اليوم، حيث تُقام مراسم الاستقبال الرسمية في مطار رفيق الحريري الدولي، ثم ينتقل مباشرةً إلى بعبدا للقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام.
ووجّه حزب الله رسالةً إلى البابا، أشار فيها إلى أنّه "يعوّل على مواقفكم في رفض الظلم والعدوان اللذين يتعرّض لهما وطننا لبنان على أيدي الصهاينة الغزاة وداعميهم"معتبرًا أنّ "أي موقف أخلاقي وإنساني يصدر عن الكرسي الرسولي في هذا الاتجاه يساهم في لجم العدوان ورفع الظلم عن الشعب اللبناني وشعوب المنطقة".
وسيختتم البابا زيارته الثلاثاء بالقداس الإلهي على الواجهة البحرية، حيث سجّل أكثر من 120 ألف شخص أسماءهم للمشاركة، مع تجهيز 14 شاشة عرض وثلاثة آلاف متطوع وباصات خاصة لنقل المشاركين.
وتكتسب زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان أهمية استثنائية في هذا الظرف الدقيق، إذ تمنح البلاد جرعة دعم معنوية وسياسية طال انتظارها. فبالنسبة للبنانيين، يشكّل حضور الحبر الأعظم على أرضهم تأكيداً جديداً أنّ لبنان ما زال يحتفظ بمكانته الخاصة على خريطة الاهتمام الدولي، رغم الأزمات التي تعصف به. كما تُعدّ الزيارة فرصة لتسليط الضوء على ضرورة حماية الاستقرار وحثّ المجتمع الدولي على وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
داخلياً، يعوّل كثيرون على أن تشكّل الزيارة مساحة لقاء وتلاقي بين مكوّنات المجتمع اللبناني، وتعيد التذكير بدور لبنان التاريخي كجسر للحوار والتعايش، في لحظة يحتاج فيها اللبنانيون إلى ما يعزّز ثقتهم بدولتهم وبقدرتهم على الخروج من أزماتهم.
إلى ذلك، يصل وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الأربعاء إلى بيروت في زيارة يلتقي خلالها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، وذلك استكمالًا للزيارات العربية والدولية الهادفة إلى تجنيب لبنان أي تصعيد إسرائيلي.
وأمس، اعتبر سفير إيران في لبنان مجتبى أماني أن طريقة اغتيال القائد العسكري في حزب الله هيثم الطبطبائي ستؤدي إلى تغيير في النظرة الاستراتيجية لدى الحزب، مشيرًا إلى أنّ الطبطبائي كان قياديًا بارزًا. وأضاف أنّ "إسرائيل تجاوزت السقف الذي التزمت به عبر عملية الاغتيال"، لافتًا إلى أنّ "الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أكد أنّ الردّ على اغتيال الطبطبائي قادم لا محالة".