تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

...ونقترب سنة من نهاية الطريق

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
01-01-2026 | 03:00
A-
A+
Doc-P-1462353-639028584685223838.jpg
Doc-P-1462353-639028584685223838.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
هي الكلمات والتمنيات ذاتها تتردّد وتُعاد من سنة إلى سنة، وذلك منذ أن تفتّحت عيناي على هذه الدنيا، ومنذ أن أصبحت انتظر "بابا نويل" حتى منتصف الليل ليضع لي هديتي في حذائي، الذي أكون قد أعدّت تلميعه مرة واثنتين (كانت الهدايا في ذاك الزمن متواضعة)، ومع ذلك كانت تفرحنا عكس هذه الأيام، حيث لم تعد أي هدية، وإن كان ثمنها يساوي راتبًا كاملًا، تبهج أطفال الـ "أي بايد"، والسلولير"، والـ "اكس بوكس"، وإلى ما هنالك من ألعاب الكترونية أفقدت الطفولة فرحتها برمزية الهدية والمعنى الحقيقي لعيد الميلاد.
كنا صغارًا وكان أهلنا كبارًا. كبرنا ولم يعد من كانوا في خريف العمر بيننا. وهذا أكثر ما ينغّص بهجة الأعياد، التي تختلط، على رغم كثرة الشوق، مع ضحكات الصغار، الذين سيكبرون، بعد أن نلتحق بمن سبقونا من أحبّة.
قبل أيام قليلة فقط، مرّ عيد الميلاد المجيد على اللبنانيين كما تمرّ نسمة دافئة في شتاء طويل. أشجار ميلادية مضاءة، هدايا وأغاني وتراتيل، أمنيات معلّقة على أطراف القلوب، ومحاولات صادقة، ولو قصيرة العمر للإمساك بالفرح. واليوم، يطرق رأس السنة أبوابهم من جديد، ليكتشفوا أن الأيام، مهما تغيّرت أسماؤها، تعود فتتشابه، وتدور في الرتابة نفسها، في حلقة مفرغة تُنهك الروح قبل الجسد، وتترك الداخل فارغًا كما الخارج.
وحدها الأزمات لا تعرف الأعياد. لا تحتفل، لا تستريح، ولا تسمح لأحد بالراحة. تتنقّل معنا من عام إلى عام، ومن عيد إلى عيد، حاملة أثقالها المتراكمة، ومخلّفة تعبًا لا ينتهي، ومكبّلة الحاضر برواسب ماضٍ لم يُقفل، ولم يُفتح فيه باب واحد على أفق حلٍّ قريب أو وعدٍ آتٍ. تمرّ الأعياد سريعًا، خاطفة، كأنها استراحة قصيرة في سباق يومي لا يتوقف، لكنها، على رغم قصرها، تترك لمسة ضوء نفتقدها في تفاصيل حياتنا المتعبة.
يكفي أن تجتمع العائلة حول طاولة واحدة في العيد، وأن تتبادل الضحكات وأحاديث بلا هموم، لندرك حجم ما خسرناه. فالـ "سيلولير" حلّ مكان الدفء الإنساني، وسرق منّا طقوس اللقاء، لتصبح المعايدة رسالة مقتضبة عبر "واتساب" أو "أس أم أس"؛ كلمات جامدة، عاجزة عن حمل ثقل المشاعر وصدقها. ثم تنتهي الأعياد، وتعود دورة الحياة الثقيلة، حيث تتشابك الهموم الخاصة مع العامة، ويتأثر الفرد بوطن لا يمنحه سببًا واحدًا للتفاؤل.
والأدهى أن الأزمات في هذا البلد لا تكتفي بما هي عليه، بل تتوالد، وتتعقّد، وتؤجَّل من سنة إلى أخرى. وأمّ هذه الأزمات، أزمة الأفق المسدود. فالمبادرات محاصرة. تصلّب من هنا، ولا مبالاة من هناك، وبلد يُدفع ببطء نحو مجهول مشرّع على كل الاحتمالات، أقلّها التأثّر بشظايا حروب الجوار، وهي حروب لم تعيّد هي الأخرى، ولم تعرف يومًا طعم الراحة.
في كل عام جديد، نحمّله أكثر مما يحتمل. نلعن السنة التي ترحل، ونعلّق آمالنا على التي تأتي، كأن الزمن هو المذنب الوحيد. والحقيقة أن ليس كل السنوات التي ودّعناها كانت سيئة، ولا كل السنوات التي انتظرناها بشغف منحتنا ما تمنّيناه لها أو منها، خصوصًا حين كانت تمنياتنا أكبر من الواقع، وأبعد من المنطق.
ليس سهلًا أن نعي أن اللحظة التي تمضي لا تعود، وأنها تنضم فورًا إلى حركة الكون المستمرة، حيث يتعانق ماضٍ صار ذكرى، مع حاضر عابر، ومستقبل لا نعرف ما يخبّئه لنا. في هذا التناوب اليومي بين شروق الشمس ومغيبها، يكتسب العمر معناه، وتبدو السنوات التي عشناها وكأنها عبرت بسرعة حلم.
أجمل ما في الماضي أنه كان مسرحًا لأحبّة صاروا ذكرى، وأغنية لم يكتبها شاعر ولم يلحنها موسيقي. وأجمل ما في الحاضر أنه جسر هشّ، من "حبال هواء"، يصل ما كان بما سيكون. أما الوجدان، ففيه سباق لا ينتهي بين الزائل، وبين ما يتجاوز نبضة القلب وتنهد الصدر في حركة الشهيق والزفير.
وعندما يتعانق عقربا الساعة عند منتصف ليل 31 كانون الأول و1 كانون الثاني، تنتهي سنة مثقلة بالخيبات، وتبدأ أخرى سنحمّلها، مجددًا، أكثر مما تحتمل. هو هروب دائم من واقع مرير إلى مجهول، سينضم بعد 365 يومًا إلى نادي الأيام الضائعة، تلك التي لا تعود إلا ذكريات، جميلة كانت أم قاسية، فرِحة أم موجعة.
فالزمن الميلادي لا يرتبط بتاريخ محدّد. هو حالة نعيشها كل يوم. فما قبله كما بعده. الجوهر واحد والرسالة واحدة. هو زمن التجدّد الدائم والانخراط الكوني في مشروع الخلاص. ليس صدفة أن يحتفل العالم بعيد ميلاد يسوع قبل أسبوع من انتهاء سنة وبداية سنة جديدة في دورة الأيام.
وكما عيّدنا الميلاد بفرح النعم الإلهية غير المحدودة نأمل أن نستقبل سنة جديدة لا يغيب عنها وجه الله، خاق السماوات والأرض وكل ما يرى وما لا يرى.
كل عام وأنتم ولبنان بألف خير.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas