تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

خسرت أهم أوراقها على حدود إسرائيل.. 2025 جعلت إيران تائهة

جاد حكيم - Jad Hakim

|
Lebanon 24
02-01-2026 | 03:00
A-
A+
Doc-P-1462680-639029408600404105.webp
Doc-P-1462680-639029408600404105.webp photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
إذا كان "طوفان الأقصى" قد فتح لإيران نافذة لتسويق فكرة أن محورَها قادر على فرض إيقاع إقليمي جديد، فإن المسار الذي تلا 7 تشرين الأول 2023 أعاد ترتيب المشهد بصورة أقلّ ملاءمة لطهران. الخسارة هنا ليست انهيارًا لمحورٍ كامل، بل تآكلٌ تدريجي في "هوامش المناورة"، كلّ جولة تصعيد رفعت كلفة إدارة الشبكة الحليفة، وقلّصت قدرة إيران على ضبط التوقيت والسقف والرسائل، وصولًا إلى لحظة بيروت التي كشفت أن ساحة لبنان لم تعد تُدار بالمنطق نفسه الذي حكمها لسنوات.
 
أولى الضربات السياسية العميقة جاءت من كسر خطوطٍ كانت تُعدّ "محظورة" في الحسابات السابقة. ضرب موقعٍ دبلوماسي لإيران في دمشق وما رافقه من سقوط قيادات في "فيلق القدس" لم يكن حدثًا أمنيًا عابرًا، بل رسالة استراتيجية مفادها أن إسرائيل انتقلت من إدارة احتكاكٍ طويل على الأطراف إلى استهداف حلقات الربط بين طهران وساحات سوريا ولبنان وفلسطين، أي قلب البنية التي تُحوّل النفوذ إلى قدرة عملياتية. ومع كل ضربة من هذا النوع، يصبح "الردّ" بالنسبة لإيران أقلّ ارتباطًا بتغيير قواعد اللعبة، وأكثر ارتباطًا بمنع اهتزاز صورتها أمام جمهور المحور، وهي معادلة تستنزف من دون أن تضمن مكاسب صافية.
 
ثم جاءت مرحلة الردود المباشرة بين إيران وإسرائيل لتضع طهران أمام مأزق مزدوج، فإن امتنعت عن الردّ بدت كمن فقد الردع، وإن ردّت بشكل واسع فتحت الباب لتوسيع الاشتباك بما يتجاوز قدرتها على التحكم بمساراته. في نيسان 2024 ثم في تشرين الأول 2024، تحولت المواجهة إلى نمطٍ أكثر مباشرة، لكن الإشارات السياسية التي التقطتها العواصم الإقليمية لم تكن بالضرورة لصالح إيران. القدرة على إطلاق النار شيء، والقدرة على تحويله إلى رصيد تفاوضي مستدام شيء آخر، خصوصًا حين تُقدَّم هذه الجولات دوليًا بوصفها "تصعيدًا" يبرّر مزيدًا من الضغط والاصطفاف ضدها.
 
أما الخسارة الأثقل رمزيًا وعمليًا فتمثلت في بيروت. فعملية اغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله في أيلول 2024، لم تكن ضربة لقيادة حزب الله فحسب، بل مسّ الركن الأكثر فاعلية في "الردع غير المباشر" الإيراني على حدود إسرائيل. "ما بعد نصرالله" ليس مجرد سؤال خلافة داخل تنظيم، بل تعمّق أكثر، كيف يمكن لطهران أن تحافظ على معادلة الردع عبر وكيلٍ يتعرض لاختراقات عميقة وعمليات نوعية، فيما تُرفع في الوقت نفسه كلفة الاحتفاظ بالسلاح داخل لبنان سياسيًا واقتصاديًا؟
 
هذا التحول في لبنان تعمّق لاحقًا مع الانتقال من الحرب إلى ترتيبات ما بعد الحرب. اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أميركية وفرنسية في تشرين الثاني 2024 فتح مسارًا جديدًا عنوانه "التزامات الدولة اللبنانية" لا "وقائع الميدان" وحدها، ثم جاءت ضغوط 2025 التي تربط الاستقرار جنوبًا بملف نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني وخارجه، في مسار تتقدمه باريس وواشنطن والرياض، وتتابعه الحكومة اللبنانية والجيش. في الحساب الإيراني، هذه ليست مجرد تفصيلة لبنانية، إنها تقليص تدريجي لأبرز أوراق النفوذ التي كانت تُستخدم لرفع كلفة أي مواجهة مع طهران أو لفتح أبواب تفاوض بشروط أفضل.
 
سياسيًا، تكمن الخسارة الإيرانية في أن مشروع "وحدة الساحات" انقلب إلى اختبار قدرة على "تطويق الخسائر". فبدل أن تكون الشبكة الحليفة مصدرَ مرونة، تحولت في كثير من المحطات إلى مصدر التزام: كل ساحة لها حساسياتها وحسابات دولها وحدودها، وأي انزلاق كبير يرتد على إيران كعقوباتٍ أوسع أو عزلةٍ أعمق أو تهديدٍ مباشر. لذلك ظهرت داخل إيران نفسها لغةٌ أكثر براغماتية مع انتخاب مسعود بزشكيان، الذي ربط علنًا أولوية الاقتصاد بتخفيف العقوبات وفتح مسارات تفاوض، وهو مؤشر إلى أن كلفة الإقليم باتت موضوعًا داخليًا أيضًا، لا شعارًا خارجيًا فقط.

بموازاة حروب إيران وخسائرها الإقليمية في 2025، تمدّد عامل الاحتجاج إلى داخل البلاد على شكل موجات متقطعة لكنها متراكمة،بدأت من مطالب معيشية ونقابية ثم ارتفعت سريعاً إلى شعارات سياسية. ففي أيار 2025 برز إضراب سائقي الشاحنات على خلفية كلفة العمل وخطة تسعير الديزل والرسوم، مع تقارير عن اعتقالات في بعض المناطق. وفي تشرين الأول 2025 عادت تحركات متفرقة للمتقاعدين والمعلمين وشرائح مطلبية أخرى على خلفية الغلاء والرواتب والفساد، بالتوازي مع تصاعد ملف الإعدامات والقبضة الأمنية. ثم جاءت نهاية العام لتضع البلاد أمام موجة أوسع، إذ اندلعت احتجاجات منذ 28 كانون الأول 2025 في مدن عدة على وقع تدهور العملة وارتفاع الأسعار وإغلاق متاجر نجم عنها صدامات واعتقالات وسقوط قتلى في بعض المناطق خلال التظاهرات، وهذا ما استدعى تحركا رئاسيا بارزا على مستوى مجاراة الشعب، خوفا في أي تغلغل للعدو، الذي قد يستثمر بهذه الفوضى، ويعمل على زيادة الضغط على النظام الإيراني.
 
الخلاصة، إيران منذ "طوفان الأقصى" لم تخسر لأنها "خرجت من اللعبة"، بل لأنها انتقلت من موقع صانع الإيقاع إلى موقع إدارة الضرر: تآكل الردع عبر الوكلاء، انكشاف خطوط الربط في سوريا، ضربة بيروت التي أصابت القلب الرمزي للمحور، ثم مسار دولي–لبناني يحاول تحويل سلاح حزب الله من "ورقة ردع" إلى "عبء تفاوضي" على الدولة كلها. وسط ذلك، يبقى السؤال المفتوح: هل تذهب طهران إلى إعادة بناء قواعد الاشتباك بهدوء وبأدوات أقلّ كلفة، أم تُغامر بجولات جديدة تعيد إنتاج الخسائر نفسها ولكن على مساحة أوسع؟ 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد حكيم - Jad Hakim