يدخل سوق النحاس في أفريقيا عام 2026 مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الطفرة العالمية في الطلب مع هشاشة الإنتاج والبيئة السياسية والبنيوية في الدول المنتجة. فمع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية وتوسّع شبكات الكهرباء الذكية، ارتفعت أسعار النحاس إلى مستويات تاريخية، ما وضع القارة الأفريقية في قلب معادلة اقتصادية وجيوسياسية معقّدة، وفق ما تشير إليه تقارير جون أفريك.
وخلال كانون الأول الماضي، تجاوز سعر النحاس 12 ألف دولار للطن بفعل اضطرابات الإمداد والمخاوف من التعريفات الأميركية، فيما ترجّح تقديرات
رويترز استقرار الأسعار عند متوسط يقارب 10,500 دولارات للطن في 2026، وهو مستوى مرتفع تاريخيًا يفرض ضغوطًا إضافية على سلاسل التوريد، خصوصًا في أفريقيا.
ويشكّل حزام النحاس الممتد بين
جمهورية الكونغو
الديمقراطية وزامبيا العمود الفقري للإمدادات العالمية. فبحسب هيئة المسح الجيولوجي
الأمريكية، يُتوقع أن يبلغ إنتاج الكونغو نحو 3.3 ملايين طن، وزامبيا حوالي 680 ألف طن، من أصل إنتاج عالمي يناهز 23 مليون طن، أي ما يعادل قرابة سدس الإنتاج العالمي.
غير أنّ هذه الأهمية لا تعني الاستقرار. فأي خلل في الإنتاج أو النقل داخل البلدين كفيل بإعادة خلط أوراق السوق العالمية. ويكمن التحدي في 2026 ليس في حجم الإنتاج فحسب، بل في انتظام تدفق مركزات النحاس وسط اختناقات لوجستية وارتفاع كلفة المعالجة والنقل.
في الكونغو الديمقراطية، يعتمد النمو السريع للإنتاج على شركات تعدين عملاقة، في طليعتها شركات صينية مثل CMOC، التي تجاوز إنتاجها 650 ألف طن عام 2024، ما يعكس درجة تركّز عالية في السوق. كما تخطط إيفانهو ماينز لرفع إنتاج منجم كاموا–كاكولا إلى ما بين 380 و420 ألف طن في 2026. إلا أنّ هذه الطموحات تصطدم ببيئة سياسية متقلبة، خصوصًا بعد قرارات حكومية أواخر 2025 بتشديد الرقابة على عمليات المعالجة، ما أثار مخاوف المستثمرين بشأن استقرار السياسات.
في المقابل، تراهن زامبيا على قفزة إنتاجية قد ترفع إنتاجها إلى أكثر من مليون طن في 2026، مدفوعة باستثمارات ضخمة من شركات مثل First Quantum وBarrick. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا باستقرار الكهرباء، ومرونة الأطر التنظيمية، وتحديث البنية التحتية للنقل.
وهنا يتداخل الاقتصاد بالجيوسياسة، مع احتدام المنافسة على الممرات اللوجستية. فالولايات المتحدة والاتحاد
الأوروبي يدعمان ممر لوبيتو عبر أنغولا لنقل النحاس إلى الأطلسي، بينما تراهن
الصين على تحديث خط تازارا باتجاه ميناء دار السلام على المحيط الهندي. وهو سباق لا يحدد فقط كلفة النقل، بل من يملك النفوذ في مستقبل النحاس الأفريقي.
في الخلاصة، سيحمل عام 2026 اختبارًا حاسمًا لسوق النحاس في أفريقيا. فبين طلب عالمي متصاعد وتنافس دولي محتدم، يبقى الرهان على قدرة القارة على تحويل ثروتها المعدنية من مورد هشّ إلى قوة استراتيجية مستقرة، بدل أن تبقى أسيرة التقلبات السياسية واللوجستية.