فيما تشهد المنطقة اليوم حالةً من حبس الأنفاس مع تصاعد نذر المواجهة الكبرى بين طهران وواشنطن، التي يقول كثيرون إنّها باتت "شبه حتميّة"، على وقع التحشيد العسكري الأميركي الذي يكاد يكون غير مسبوق في المنطقة، وذلك بمعزل عن جولة المفاوضات المقرّرة الخميس، والتي يُستبعَد أن تتجاوز منطق "رفع العتب"، وجد لبنان نفسه مرّة أخرى في قلب التوتر، بل في صلبه، وهو الذي لا يزال يواجه حربًا بلا هوادة في الجنوب، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
ومع أنّ لبنان لا يفترض أن يكون جزءًا من الجبهة
الإيرانية الساخنة، أو بالأحرى الملتهبة هذه الأيام، فإنّه تصدّر المشهد خلال الساعات الماضية على وقع تسريباتٍ نقلتها وكالة رويترز، حول تهديدات إسرائيلية باستهداف بنى تحتية مدنية في لبنان، بما في ذلك المطار والمرافئ ومحطات الطاقة، إذا انخرط "
حزب الله" في المواجهة مع
إيران، بما يعني توسيع الحرب القائمة أصلاً على لبنان، وهو ما تلوّح به تل أبيب منذ أكثر من سنة.
اللافت هو التوقيت الذي خرجت به التسريبات، وإن كان مبرّرًا بالأجواء التي توحي بأنّ العدّ التنازلي للضربة على إيران قد بدأ، فالتزامن بينها وبين الاجتماع التمهيدي لمؤتمر باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الذي عقد في القاهرة، ليس صدفة، علمًا أنه تزامن أيضًا مع مؤشرات أمنية لافتة جنوبًا، بعد تعرض الجيش لإطلاق نار وتهديدات. فهل نحن أمام مجرد محاولة ردعٍ استباقيةٍ لإبقاء الحزب خارج "خط النار"، أم أنها تمهيدٌ لقرارٍ إسرائيليٍّ اتُخذ سلفاً بتوسيع دائرة الضربات لتشمل العمق اللبناني؟
كيف تُقرَأ التهديدات الإسرائيلية؟
جاءت التهديدات الإسرائيلية الأخيرة، التي نُقلت عبر وسطاء دوليين، لترسم ملامح مرحلةٍ جديدةٍ من التصعيد، وإن بدت، أقلّه حتى الآن، "مشروطة" بدخول "حزب الله" على خط المواجهة مع إيران. ولعلّ الرسالة التي تُقرَأ خلف هذه التهديدات، تكمن في نقل المعركة ليس فقط من جنوب الليطاني إلى شماله، ولكن إلى "عمق الدولة"، في رسالة قد تحمل "سلبية مبطنة" من الأداء الحكومي الذي تراه
إسرائيل "بطيئًا" في ملف حصر السلاح.
وإذا كان كثيرون يقرأون التهديدات الإسرائيلية على أنها أداة للضغط النفسي والميداني، على "حزب الله" لردعه عن الانخراط في المواجهة، ولكن أيضًا على لبنان للقيام بما يستطيع من أجل "ضبط" الحزب، ومنعه من إسناد طهران بأي شكل من الأشكال، فإن ما زاد الالتباس يكمن في الخطوة التي أقدمت عليها
الولايات المتحدة، قبل أن تطلق تل أبيب تهديداتها، وذلك من خلال إجلاء عدد من موظفي سفارتها في عوكر، الأمر الذي أثار الكثير من التكهنات.
هنا، تتفاوت وجهات النظر حول "الوظيفة الفعلية" للتهديدات، فهناك من يرى أنّ إسرائيل قد تجد في المواجهة مع إيران "الغطاء الذهبي" لتوسيع حربها على لبنان، واستكمال ما تسمّيه بمعركة "
القضاء" على "حزب الله". لكن ثمّة في المقابل، من يؤكد أنّ إسرائيل لو أرادت أن تفعل، لما أعلنت عن نواياها سلفًا، وهي التي كان عنصر المباغتة والصدمة هو ما جعلها تتفوّق في الحرب الأخيرة التي شنّتها ضد الحزب.
"حزب الله" أمام الاختبار الصعب
هكذا، قد يُقرَأ التهديد بالضربة القوية كأداة "ضغط" على "حزب الله"، لردعه من القيام بأيّ "مغامرةٍ". لكن الخطورة تكمن في أن الهامش بين "الردع" و"الانزلاق" بات ضيقًا جداً، في وقت تميل العقيدة العسكرية الإسرائيلية الحالية إلى "الضربات الاستباقية" بدلاً من انتظار الضربة الأولى، مما يجعل لبنان في حالة استنفارٍ دائمٍ بانتظار المجهول، وهو ما يفسّر دخول مختلف القوى على الخط، من بوابة الضغط على "حزب الله"، تحميله مسؤولية أي اعتداء جديد.
لكن أين "حزب الله" من كل هذا الجدل، وهو الذي سبق لأمينه العام الشيخ نعيم قاسم أن قال في أحد خطاباته بأنّه لن يقف "على الحياد" في حال وقوع المواجهة مع إيران، قبل أن يتراجع تكتيكيًا، أو بالحدّ الأدنى إعلاميًا؟ لا كلام مباشرًا حول الموضوع، باستثناء تأكيد الموقف السياسي المساند للجمهورية الإسلامية، والرافض لأيّ ضربة تستهدفها، علمًا أنّ كلّ التسريبات تؤكد أنّ الحزب رفض تقديم أيّ ضمانات لكلّ من راجعوه، بشأن إمكانية تدخله من عدمها.
لعل ّالحزب يجد نفسه أمام اختبار صعب بأتم معنى الكلمة، فالبقاء متفرّجًا على ضرب إيران، مع ما تمثّله من "عمق استراتيجي" بالنسبة إليه، لن يعني كسر هيبة شعار "وحدة الساحات" الذي كان من أبرز مروّجيه، ولكن أيضًا كسرًا لهيبته أمام
الإسرائيلي الذي يفعل أساسًا ما يشاء في الجنوب. لكنه يدرك في المقابل، أن قواعد الاشتباك القديمة قد سقطت فعليًا، خصوصًا أنه لم يستعد عافيته الكاملة بعد، وتسريع أيّ جولة قتالية جديدة قد تكون بمثابة "انتحار سياسي".
في المحصلة، يبدو أن لبنان قد وُضع فعلياً على "طاولة التشريح" الإقليمية، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج للمفاوضات المتعثرة أو الضربات المباغتة. وسواء كانت التهديدات الإسرائيلية محاولة للردع أو تمهيدًا لتوسيع الحرب، بمعزل عن ضربة إيران، فإن الأكيد أن لبنان لا يملك ترف الوقت ولا القدرة على تحمل كلفة الانخراط في حرب جديدة، وهو الذي تكفيه حرب الجنوب، التي باتت "خبرًا عاديًا" في نشرات الأخبار!