تُظهر التصريحات التي صدرت عن مسؤولي "
حزب الله" في الأيام الماضية نبرة مختلفة عمّا اعتاد عليه اللبنانيون في خطاب الحزب السياسي تجاه الداخل. فالحزب الذي كان حريصًا لسنوات طويلة على الفصل النسبي بين معاركه الإقليمية وبين إدارة التوازنات الداخلية، يبدو اليوم أكثر صراحة في مقاربة الملف اللبناني، وأقل ميلاً إلى المواربة التي طبعت مواقفه في مراحل سابقة.
في الخطابات الأخيرة لمسؤولي الحزب، يبرز قدر أكبر من الصرامة والوضوح عند الحديث عن المرحلة المقبلة في
لبنان. الرسائل التي يجري إيصالها توحي بأن الحزب لا يتعامل مع ما يجري باعتباره محطة عابرة، بل باعتباره تحوّلًا سياسياً قد يفرض إعادة صياغة العلاقة مع السلطة والنظام السياسي اللبناني. والأهم أن هذا الخطاب لا يربط بالضرورة مسار الداخل بنتيجة الحرب، بل يوحي بأن المواجهة السياسية في الداخل باتت خيارًا قائماً بحد ذاته.
ففي حال خرج الحزب من الحرب منتصرًا، فإن المؤشرات الحالية توحي بأنه لن يتصرف كما فعل في مراحل سابقة عندما فضّل عدم ترجمة فائض القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية داخلية واسعة. على العكس، يبدو أن هناك استعدادًا لاستثمار أي انتصار في تثبيت حضور سياسي أكثر صلابة داخل الدولة ومؤسساتها. أما في حال جاءت نتائج الحرب أقل مما يتوقعه الحزب عسكريًا، فإن المنطق الذي يحكم الخطاب الحالي يشير إلى احتمال ارتداد أكبر نحو الداخل لتعويض الخسارة عبر تعزيز النفوذ السياسي والشعبي.
طوال السنوات الماضية، كان أحد العوامل التي دفعت الحزب إلى تجنب تعظيم مكاسبه داخل السلطة هو الخوف من أن يؤدي ذلك إلى تحويل الاستهداف السياسي له إلى استهداف وجودي. كما كان الحزب حريصًا على عدم استفزاز شرائح لبنانية واسعة أو دفعها إلى التموضع ضده بشكل كامل، إدراكًا منه لحساسية التوازنات الطائفية والسياسية في البلاد.
لكن ما يبدو اليوم أن الحزب يعيد تقييم هذه الحسابات. فالكثير من الضغوط التي كان يخشى أن يتعرض لها في حال تعاظم دوره في السلطة حصلت فعليًا، حتى من دون أن يسعى إلى السيطرة المباشرة على القرار السياسي.
وبناءً على هذا المنطق، قد يرى الحزب أن الكلفة السياسية لتعزيز حضوره في السلطة لم تعد أعلى من كلفة البقاء في موقع الدفاع أو المراوحة.
إلى جانب ذلك، فإن انتهاء الحرب في المنطقة بعد أشهر، إذا حصل، قد يترك آثارًا واسعة على التوازنات الإقليمية. فمن المرجح أن تكون دول عدة في المنطقة قد استنزفت جزءًا من قدراتها، بما في ذلك
دول الخليج، وهو ما قد ينعكس تلقائيًا على حلفائها في لبنان. وفي ظل هذه الظروف، قد يجد الحزب أن ميزانه الشعبي والديمغرافي يمنحه قدرة أكبر على الاستثمار السياسي مقارنة بخصومه.
في كل الأحوال، يبدو أن الحرب الدائرة في المنطقة لن تنتهي من دون أن تترك بصمتها على التوازنات الداخلية في عدد من الدول، ولبنان لن يكون استثناءً. والتحولات في خطاب "حزب الله" قد تكون واحدة من أولى الإشارات إلى شكل المرحلة السياسية التي قد تلي هذه الحرب.