جال البطريرك الماروني لكاردينال
مار بشارة بطرس الراعي، في إطار زيارته الرعوية إلى
جنوب لبنان، على عدد من البلدات الحدودية في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، شملت كوكبا، جديدة مرجعيون، والقليعة، حيث حملت هذه الجولة أبعادًا روحية ووطنية وإنسانية عكست عمق معاناة أبناء المنطقة وصمودهم في وجه الظروف الأمنية الصعبة.
ففي المحطة الأولى، وصل البطريرك الراعي إلى بلدة كوكبا، حيث كان في استقباله حشد من أبناء القرى الحدودية، إلى جانب فعاليات روحية وبلدية واجتماعية. وقد طغى على الاستقبال طابع وجداني مؤثر، عبّر عن تمسّك الأهالي بأرضهم والتفافهم حول كنيستهم، في ظل ما تعانيه المنطقة من توتر وخطر دائم. وفي كلمته، أكد الراعي أن الكنيسة لم تغب يومًا عن أبناء الجنوب، وهي حاضرة معهم في الألم كما في الرجاء، مشددًا على أن هذه الزيارة تحمل رسالة واضحة بأنهم ليسوا وحدهم، وأن وجعهم هو وجع الوطن بأسره. كما لفت إلى أن الإنسان يصبح يتيمًا حين يُقتلع من أرضه، مؤكدًا أن أبناء هذه القرى يشكّلون خط الدفاع الأول عن هوية
لبنان وكرامته.
وفي جديدة مرجعيون، المحطة الثانية، استُقبل البطريرك في أجواء إيمانية ووطنية مؤثرة، بحضور شعبي وكنسي وبلدي واسع. وقد عبّرت الكلمات الترحيبية عن وجع الناس وإصرارهم على البقاء رغم التهجير والقلق. ومن هناك، شدد الراعي على أن الكنيسة جاءت لتصلي من أجل السلام، معتبرًا أن الحرب لا تنتج إلا الدمار والاقتلاع، وأن السلام هو واجب ومسؤولية وليس مجرد أمنية. كما دعا إلى حماية المدنيين واحترام القوانين الإنسانية، مؤكدًا أن أبناء الجنوب لم يغيبوا عن صلاته، وأن الكنيسة ستبقى إلى جانبهم في هذه المرحلة الصعبة، حاملة آلامهم وآمالهم نحو غد أكثر أمانًا.
أما في القليعة، المحطة الثالثة، فقد ترأس البطريرك الراعي الذبيحة الإلهية في أجواء روحية مؤثرة، بحضور حشد من المؤمنين والفعاليات. وتميّزت هذه المحطة بتلاوة رسالة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى أبناء الجنوب، والتي نقلت تضامن الكرسي الرسولي وقربه من معاناة الأهالي، مؤكدة أن أبناء هذه الأرض ليسوا منسيين، وأن عيد الفصح يبقى علامة رجاء بانتصار الحياة على الموت. وفي عظته، شدد الراعي على أن جوهر الرسالة
المسيحية هو المحبة التي تُترجم خدمة وثباتًا، مستعيدًا سؤال المسيح لبطرس "أتحبني؟... ارعَ خرافي"، ومؤكدًا أن هذه الدعوة موجّهة لكل مؤمن.
كما توقف عند شهادة الخوري بيار الراعي، معتبرًا إياه "
شهيد الواجب الكهنوتي"، مشددًا على أن "الكنيسة جاءت لتعزية القلوب والصلاة من أجل
الشهداء والمتألمين، ولتؤكد أن من يعيش للمسيح يبقى حيًا في ذاكرة شعبه. وختم بالتأكيد أن لبنان لا يموت، لأنه وطن محمول بالصلاة، في رسالة اختصرت أبعاد الزيارة: الجنوب ليس وحده، والكنيسة إلى جانبه، والرجاء باقٍ رغم كل الألم".