ذكرت صحيفة "The Spectator" البريطانية أن "الإعلان المفاجئ عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الحرب بين
الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم يُسهم في حل أي من
القضايا التي أدت إلى النزاع. فإلى جانب الاتفاق على وقف الهجمات، تبدو الترتيبات التي ستُطبّق خلال هذه الفترة غير واضحة، وقد بدا أن كل طرف، في الساعات الأخيرة، قد التزم بصيغ مختلفة لوقف إطلاق النار في مناطق رئيسية".
وبحسب الصحيفة: "من وجهة نظر
إسرائيل، فإن النتيجة واضحة. لقد أُضعف النظام الإيراني بشكل كبير في عدد من المجالات الرئيسية، وفي الوقت نفسه، لم يُقضَ على النظام، بل لم يتضرر بشدة، في قدرته على الاستمرار في حكم إيران، كما ولا تزال نواياه ثابتة، على الرغم من تغيير القيادة في القمة بعد إقالة عدد من القادة الرئيسيين. وهذا يعني أنه سواء استؤنف القتال بعد وقف إطلاق النار الحالي أم لا، فقد أُضعف العدو، ومن المتوقع أن تستمر الحرب الطويلة. وفي ما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة لوقف إطلاق النار، صرّح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بأن الاتفاق، الذي توسطت فيه إسلام آباد، يسري "في كل مكان، بما في ذلك
لبنان"، وفي الواقع، لا يروق هذا التفسير لإسرائيل. فقد كان من أهم أهداف القدس طوال الوقت فصل الجبهة
اللبنانية عن أي اتفاق أوسع تقوده الولايات المتحدة مع إيران".
جبهة لبنان
وتابعت الصحيفة: "ترى إسرائيل أن "
حزب الله" ارتكب خطأً فادحاً باختياره دخول الحرب عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وتسعى إسرائيل لاستغلال هذه الفرصة لإنشاء منطقة عازلة شمال الحدود، لحماية سكان المستوطنات الحدودية الشمالية
الإسرائيلية من صواريخ الحزب المضادة للدبابات، وتخليصهم من خطر التوغل البري المتكرر على غرار ما حدث في 7 تشرين الأول. لم تكتمل هذه العملية بعد، وتتواجد حالياً خمس فرق من الجيش
الإسرائيلي في لبنان، تخوض معارك ضد "حزب الله" جنوب نهر الليطاني. من وجهة نظر إسرائيل، فإن هدوء العمليات ضد إيران مع بقاء لبنان جبهة نشطة سيمكنها من نشر القوة الجوية بقوة أكبر ضد الحزب، وقد أوضح بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سريعًا أن وقف إطلاق النار، من وجهة نظر إسرائيل، لا يشمل لبنان، بل يقتصر على الضربات الجوية ضد إيران. من جانبه، لم يذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبنان في بيانه الذي أعلن فيه وقف إطلاق النار لمدة 14 يومًا. وردت
إيران على بيان مكتب نتنياهو بالقول إن "الضربات في لبنان ستؤدي إلى استئناف القتال على كل الجبهات". وقد يُجبر الضغط الأميركي إسرائيل على الكف عن المزيد من التقدم في لبنان. ويبقى أن نرى في الأيام المقبلة ما إذا كان سيتم ممارسة هذا الضغط. وحتى لو تم ذلك، يبدو أن منطقة عازلة إسرائيلية بحكم الأمر الواقع ستبقى على الأراضي اللبنانية".
مضيق هرمز
وبحسب الصحيفة: "كان هناك غموض مماثل بشأن عبور السفن عبر مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار. وقدّمت إيران تنازلاً هاماً بموافقتها على أي شكل من أشكال وقف إطلاق النار المؤقت، وهو ما كانت قد استبعدته صراحةً سابقاً، إلا أن إنشاء ما يشبه "نقطة تحصيل رسوم" إيرانية في هرمز يُمثّل الإنجاز الإيراني الأبرز خلال الحرب، إلى جانب مجرد بقاء النظام. وأوضح
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المرور عبر المضيق سيظل مقتصراً على الحصول على إذن من القوات المسلحة الإيرانية، وبشرط دفع رسوم عبور تحددها إيران وتفرضها. ووفقاً لتصريحات إيرانية، سيُعاد فتح المضيق، وستفرض إيران، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، رسوم عبور. وإذا ما ثبت بالفعل أن هذا هو الترتيب المُعتمد، فمن الصعب تصور كيف يمكن للإدارة الأميركية أن تُصوّر وقف إطلاق النار كإنجازٍ واضح. ففي نهاية المطاف، لم تكن إيران تملك قبل الحرب القدرة على فرض رسوم على السفن العابرة لهذا الممر المائي الدولي، ولم يُبدِ ترامب، في بيانه، أي تناقض مع التفاصيل التي قدمها عراقجي، إذ كتب الرئيس فقط أنه سيكون هناك "فتح كامل وفوري وآمن" للمضيق. إن المكاسب الإيرانية في مضيق هرمز، إن أثبتت استدامتها، ذات أهمية استراتيجية؛ وهذا يؤثر على الاقتصاد العالمي، لكنه لا يؤثر على المصالح الإسرائيلية، إذ لا تمر واردات النفط الإسرائيلية عبر مضيق هرمز".
القضية النووية
وتابعت الصحيفة: "لم تُفلح الحرب في معالجة القضية النووية بشكلٍ فعّال، فلا تزال إيران تمتلك 445 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهذا يمكّنها من تجميع عشرة أجهزة نووية في غضون أشهر، وفقًا لمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن شبه المؤكد أن الادعاء بأن كامل هذا المخزون مدفون تحت أنقاض منشأة فوردو غير دقيق، فمن المرجح أن يكون جزء منه في أماكن أخرى، في منطقتي أصفهان أو نطنز. نأمل أن تكون أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية على دراية بمكانها. وفي هذا الصدد، لا تُغيّر جولة القتال الأخيرة الكثير، ويبقى أن نرى ما إذا كان النظام الجديد، الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني بحكم الأمر الواقع، بقيادة أحمد وحيدي ومن حوله، سيتبنى موقفًا مختلفًا في هذه المسألة عن القيادة الدينية السابقة بقيادة علي خامنئي. كما وتضررت قدرات إيران الصاروخية الباليستية بشدة خلال الحرب، ومع ذلك واصلت إيران إطلاق النار على أهداف في الخليج وإسرائيل. على أي حال، طالما بقي النظام قائماً، تمتلك إيران القدرات الذاتية لإعادة البناء في هذا المجال، وستفعل ذلك. في الواقع، سيستغرق الإصلاح والتجديد وقتاً، وهذا يندرج ضمن المفهوم الإسرائيلي المألوف لـ"جز العشب"."
وكلاء إيران
وبحسب الصحيفة: "أخيرًا، لم تتضرر منظومة إيران بالوكالة بشكل كبير جراء الحرب. فحماس تتعافى حاليًا من خسائرها في 47% من غزة التي لا تزال تسيطر عليها؛ ولعب الحوثيون والميليشيات الشيعية العراقية دورًا محدودًا في هذه الجولة، ولم تتغير مواقعهم في اليمن والعراق على التوالي نتيجة لذلك؛ أما "حزب الله" فقد تضرر ماديًا بشكل كبير، لكن ليس استراتيجيًا، إذ لا يزال اللاعب المهيمن في لبنان. وحتى الآن، ورغم كل الضجة والغضب اللذين أثيرا خلال الأسابيع الخمسة الماضية، لم يُحسم شيء. تُعدّ التغييرات في جنوب لبنان وفي وضع مضيق هرمز ذات أهمية محتملة؛ فإذا ما تمّ ترسيخها، ستُمثّل مكاسب كبيرة لإسرائيل وإيران على التوالي، لكن حتى هذه المكاسب تُعتبر تقدماً تدريجياً، وليست تغييراً جذرياً".
وختمت الصحيفة: "لا تزال العناصر الأساسية للوضع الاستراتيجي الإقليمي قائمة. فإيران لا تزال قوة عدوانية وخطيرة، تطمح إلى طرد الولايات المتحدة من المنطقة، والهيمنة على دول الخليج، وتدمير إسرائيل؛ وتظل الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج عازمة على مقاومة الطموحات الإيرانية. وحتى الآن، تمثل أحداث الأسابيع الخمسة الماضية جولةً في هذا الصراع المستمر. وقد أظهرت إسرائيل والولايات المتحدة تفوقهما العسكري التقليدي الهائل على الإيرانيين، إلا أنهما لم تُظهرا بعد القدرة على تحويل هذا التفوق إلى استراتيجية قادرة على إنهاء الصراع بنجاح من خلال إسقاط نظام طهران، وهو السبيل الوحيد لإنهاء هذا الصراع".