تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

هذا ما لا نريد أن نصدّقه

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
12-04-2026 | 02:00
A-
A+
هذا ما لا نريد أن نصدّقه
هذا ما لا نريد أن نصدّقه photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
كثيرة هي الأمور التي لا نريد أن نصدّقها هذه الأيام. الشائعات كثيرة، وقد يكون أذاها أشدّ وطأة من هذه الحرب القذرة، التي لا تميّز بين البشر والحجر. ولكثرة انعدام ثقة المواطنين بدولتهم فإن هذه الشائعات المغرضة تأخذ حجمًا أكثر من حجمها الطبيعي.
 
وهذا يعود في الأساس إلى وجود قابلية طيّعة لدى الناس، الذين باتوا ينفخون على اللبن لكثرة ما كواهم الحليب. كما أن "أرضية" اللبنانيين خصبة إلى هذه الدرجة وهم باتوا ميّالين إلى تصديق كل ما يُقال هنا وهناك، مع علمهم المسبق أن من يقفون وراء تلك الشائعات لهم أهداف قد تفوق بخطورتها أهداف إسرائيل العسكرية وأطماعها.
 
ولكن ما هو خطير في هذه الشائعات هو أن مفبركيها خفيّون وغير ظاهرين، وقد يرتدون أحيانًا كثيرة أثواب الحملان، في حين أن نوايا إسرائيل معروفة ومعلنة على الملأ. وهذا ما قصده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في "تصريحه الفصحي" عندما أشار إلى خطورة "أعداء الداخل" غير المنظورين.
 
ومن بين أخطر ما في هذه الشائعات ما بدأ يظهر إلى العلن، وهو تنامي الحديث عن فتن داخلية، أو بتعبير آخر عودة ما يسمّى بـ "الحرب الأهلية". ويُخشى أن تنجح هذه الشائعات في تهيئة المناخات الملائمة لما يمكن أن يحضّر له في الغرف السوداء، ومن ثم الانتقال من مرحلة تحضير النفوس إلى مرحلة التنفيذ عبر الاكثار من بث حالات التشويش المترافقة مع حوادث متفرقة تبدأ صغيرة، وما تلبث أن تكبر ككرات الثلج.
 
وما تبع حادثة عين سعادة من ملابسات وأقاويل أكبر دليل على أن النافخين في مراجل الفتنة كثيرون، وهم يحاولون بشتى الطرق والأساليب استغلال مشاعر الناس ومخاوفهم لبث حالات الرعب في صفوفهم، سواء بالنسبة إلى النازحين أنفسهم، وغير المنتمين حزبيًا إلى أي حزب أو تيار سياسي أو عقائدي، أو بالنسبة إلى البيئة الحاضنة لهؤلاء النازحين، مسيحيين كانوا أم سنّة أم دروزًا.
المشكلة أن الحروب لا تبدأ دائمًا برصاصة، بل تبدأ أحيانًا بكلمة. كلمة تُقال في غير مكانها، أو تُفبرك عن قصد، أو تُنشر في لحظة خوف، فتتحول إلى شرارة في بيئة مشتعلة أصلًا.
لبنان جرّب هذا النوع من الانزلاقات سابقًا، ودفع ثمنه دمًا وخرابًا وانقسامًا لم تندمل جراحه حتى اليوم. وما يُخشى اليوم ليس فقط من عدوّ ظاهر يُعلن نواياه، بل من عدوّ خفيّ يزرع الشك بين الناس، ويضرب ثقتهم ببعضهم البعض، ويدفعهم تدريجيًا إلى الخوف من بعضهم بدلًا من الخوف على بعضهم البعض.
الفتنة لا تحتاج عادة إلى جيوش، بل إلى بيئة خائفة، وإلى عقول مستعدة للتصديق، وإلى شائعات تُبثّ في الوقت المناسب. وعندما تكتمل هذه العناصر، يصبح إشعالها أسهل بكثير مما يظن البعض.
لهذا، قد لا يكون أخطر ما نواجهه اليوم هو الحرب نفسها، بل ما يسبقها وما سيليها. هذا المناخ المسموم الذي يُبنى بصمت، وهذا الخوف الذي يتسلّل إلى النفوس، وهذا الشك الذي يبدأ صغيرًا ثم يكبر، هو ما يخيف.
وفي بلد مثل لبنان، حيث الذاكرة مثقلة بالحروب، تكفي كلمة واحدة لإيقاظ كل الهواجس. ولهذا، قد يكون أخطر ما في هذه المرحلة ليس ما نعرفه، بل ما لا نريد أن نصدّقه حتى يصبح واقعًا لا مفرّ منه، والأمثلة في هذا المجال كثيرة. ويكفي أن نتذكّر الدور السلبي والسيئ الذي قام به خلال الحرب اللبنانية ما يُعرف بـ "الطابور الخامس"، مع العلم أن هذا "الطابور" استطاع أن يزيد الفرقة بين اللبنانيين، على رغم أنه لم تكن متاحة له الظروف المتوافرة اليوم لانتقال الشائعات بسرعة ضوئية، وذلك استنادًا إلى سرعة انتشار هذه الشائعات بفعل تكنولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي، التي تلعب دورًا سلبيًا للغاية.
ومن بين الأمور التي لا نريد أن نصدّقها هو ما تدّعيه إسرائيل عن تفجير جيشها لما يقارب الـ 300 مخزن أسلحة لـ "حزب الله" في منطقة جنوب الليطاني، مع ما يعنيه هذا الادّعاء من تشكيك المقصود به ضرب هيبة المؤسسة العسكرية وصدقيتها.
 
إلاّ أن ما نريد أن نصدّقه بالفعل هو إمكانية نجاح المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ولو بالحدود الممكنة والدنيا لهذا النجاح، توصلًا إلى وقف حقيقي هذه المرّة لآلة الموت والدمار والتشريد. ومن بين الأمور التي لا نريد أن نصدّقها ايضًا وأيضًا ما قيل عن محاولة انقلابية كان يخطّط لها "حزب الله"، وما قيل إن إسرائيل هي من أحبطت هذه المحاولة يوم "الأربعاء الأسود".
 
وما لا يمكن تصديقه كيف أن إيران التي اشترطت وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لكي تشارك في مفاوضات اسلام اباد، ذهبت وفاوضت فيما القذائف والصواريخ تنهمر بغزارة على أكثر من بلدة جنوبية.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas