ترأس متروبوليت
بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة
صباح اليوم اثنين الباعوث، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".
وقال فيها: "في إثنين الباعوث، اليوم الذي يلي أحد
القيامة المجيدة، ما زالت الكنيسة تعيش في إشعاع النور الفصحي، وتدخل شيئا فشيئا في سر الشهادة لهذا النور في العالم. نقرأ اليوم مقطعا من إنجيل يوحنا (1: 18-28) وآخر من سفر أعمال الرسل (1: 12-26)، لنفهم كيف ينتقل إعلان القيامة من حدث إلى رسالة كنسية حية. يقول الإنجيلي يوحنا: «الله لم يره أحد قط. الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر». هذه الآية هي مفتاح فهم كل التدبير الإلهي. فالإبن، كلمة الله المتجسد، هو الإعلان الكامل للآب. هنا، يظهر يوحنا المعمدان كشاهد لهذا الإعلان، لا كمصدر له. لذلك، عندما سأله اليهود: «من أنت؟» أجاب بوضوح: «لست أنا المسيح...أنا صوت صارخ في البرية» .
أضاف: "هذا التواضع العميق عند يوحنا المعمدان هو جوهر الشهادة الحقيقية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المعمدان «لم ينسب شيئا لنفسه، بل رد كل المجد إلى المسيح، لأن الشاهد الحقيقي لا يسرق مجد الذي يشهد له». إن الشهادة للمسيح تبدأ بنكران الذات، وبالإعتراف بأن النور ليس منا، بل فينا. والشاهد لا يعمل وحده بل مع الجماعة، كما جاء في سفر أعمال الرسل. فبعد صعود الرب «رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل
الزيتون » (أع 1: 12)، وكانوا «يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبات» (أع 1: 14). هذه الوحدة في الصلاة هي التي تهيئ الكنيسة لتكميل رسالتها. ومن بين أهم الأعمال التي قامت بها الجماعة الأولى، اختيار متياس رسولا بدل يهوذا. هذا الحدث ليس إداريا فحسب، بل لاهوتي عميق. الرسول يجب أن يكون «شاهدا لقيامته» (أع 1: 22)، أي إن الرسالة الرسولية ترتكز على اختبار حي للقيامة، لا على معرفة نظرية فقط. هذا الأمر هو الجامع بين إنجيل يوحنا وأعمال الرسل. فيوحنا المعمدان يشهد للنور الذي أتى إلى العالم، والرسل يشهدون للنور الذي غلب الموت. كلاهما يشير إلى المسيح، المعمدان يهيئ الطريق، والرسل يعلنون اكتمال الخلاص".
وتابع: "في هذا اليوم تقرأ الكنيسة مقطعا آخر من إنجيل يوحنا (20: 19-25)، حيث يظهر الرب لتلاميذه وهم مجتمعون والأبواب مغلقة. «جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم: السلام لكم» (يو 20: 19). هذا السلام ليس مجرد تحية، بل هو عطية القيامة، هو دخول المسيح القائم إلى عمق الخوف
البشري. يقرأ هذا الإنجيل بلغات متعددة في إثنين الباعوث، في تقليد عريق يرمز إلى شمولية البشارة. فالقيامة ليست حدثا محليا أو محدودا، بل هي رسالة إلى كل الأمم، وكأن الكنيسة تعلن منذ اليوم الأول بعد الفصح أن هذا الخبر السار لا يحبس في لغة واحدة أو شعب واحد، بل يترجم إلى كل لغات العالم. هذا يرتبط مباشرة بما سيحدث في يوم العنصرة، حين «صاروا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا» (أع 2: 4). فالقراءة المتعددة اللغات هي استباق لعمل الروح
القدس، وإعلان أن الكنيسة مدعوة لتكون جامعة، رسولية، تخاطب كل إنسان بلغته، وتدخل إلى ثقافته، دون أن تغير جوهر الرسالة. القديس كيرلس الأورشليمي يشرح هذا البعد قائلا: «كما تبلبلت الألسنة في بابل بسبب الكبرياء، هكذا توحدت في العنصرة بقوة الروح القدس». الكنيسة، منذ البداية، تعيش هذا البعد الوحدوي، حيث تتعدد الألسنة لكن الإيمان واحد، وتتنوع الثقافات لكن المسيح هو نفسه «أمس واليوم وإلى الأبد» (عب 13: 8).
وقال: "توما الرسول، الذي لم يكن حاضرا في الظهور الأول، يمثل الإنسان المتردد، الباحث عن الحقيقة، الذي يريد أن يرى ويلمس. عندما يقول: «إن لم أبصر... لا أؤمن» (يو 20: 25)، هو يعبر عن صراع داخلي نعرفه جميعا. لكن الرب لا يرفضه، بل يأتي إليه بعد ثمانية أيام، ويمنحه ما يحتاجه ليؤمن. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: «إن شك توما أفادنا أكثر من إيمان التلاميذ الآخرين، لأنه قادنا إلى يقين أعمق بالقيامة".
وختم: "في هذا اليوم نحن مدعوون لنكون شهودا للقيامة، لا بالكلام فقط، بل بالحياة. أن نحمل نور المسيح كما حمله يوحنا المعمدان، وأن نعيش وحدة الكنيسة كما عاشها الرسل، وأن ننفتح على العالم كما تفعل الكنيسة في قراءتها المتعددة اللغات. فلنسأل الرب أن يعطينا هذا القلب الشاهد، المتواضع، المنفتح، لكي نكون نحن أيضا «صوتا صارخا» في عالم يحتاج إلى نور القيامة".