تتقاطع مؤشرات التهدئة مع استمرار عناصر التوتر، وتبرز باكستان كمنصة محتملة لإعادة إطلاق المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، في ظل توقعات الوسطاء بجولة ثانية من المحادثات من دون تحديد موعد. ويعكس هذا المشهد حراكًا سياسيًا متدرجًا تحكمه توازنات دقيقة، حيث تتجه الأطراف المعنية إلى اختبار فرص التسوية، مدفوعة بارتفاع كلفة التصعيد، من دون أن يعني ذلك تراجعًا كاملًا عن شروطها أو حساباتها الاستراتيجية.
في هذا السياق، تكتسب جولة
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أهمية خاصة، إذ تمتد من إسلام آباد إلى مسقط وصولًا إلى موسكو، حاملةً في طياتها مقاربة إيرانية لمرحلة ما بعد المواجهة، حيث سيعرض خلال زيارته لباكستان ملاحظات بلاده بشأن إنهاء الحرب. في المقابل، تشير تقديرات باكستانية إلى أن هذه الزيارة قد تمهّد لاستئناف مباحثات السلام مع واشنطن، وتدعم هذه الفرضية معلومات عن إرسال
الولايات المتحدة فريقًا لوجستيًا وأمنيًا إلى إسلام آباد تحسبًا لأي جولة تفاوضية محتملة.
التصعيد الدبلوماسي يقابله استعداد سياسي من الجانب الأميركي، إذ أفادت تقارير بأن نائب الرئيس جيه دي فانس قد يتوجه إلى إسلام آباد في حال تحقق تقدم فعلي في المحادثات، ما يعكس استعداد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانتقال سريعًا من التمهيد التقني إلى التفاوض السياسي المباشر. غير أن هذا المسار يبقى محكومًا بعامل ضغط داخلي، يتمثل في القيود القانونية التي تحدد مهلة ستين يومًا لقيادة العمليات العسكرية من دون موافقة الكونغرس، مع اقتراب استحقاق الأول من أيار، ما يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار حاسم بين تسريع التفاوض أو إدارة التصعيد.
وبحسب نيويورك تايمز، فإن الضربات المشتركة التي بدأت في 28 شباط مع سلاح الجو
الإسرائيلي جرى تبريرها في إطار حماية المصالح الأميركية والدفاع عن الحلفاء، إلا أن إعلان ترامب عدم اللجوء إلى السلاح النووي في أي مواجهة مع إيران يعكس في الوقت نفسه سقفًا سياسيًا للتصعيد، ويعزز فرضية الاتجاه نحو تسوية، في ظل حاجة متبادلة تشمل أيضًا الدول العربية والأوروبية.
لبنانيًا، تنعكس هذه التطورات حالة ترقب حذرة، مع تمديد وقف إطلاق النار بين
لبنان وإسرائيل لثلاثة أسابيع. وقد جاء ذلك بعد ترؤس ترامب اجتماع سفيري لبنان وإسرائيل أمس في البيت الأبيض. وفي خضم ذلك، طُرح خيار عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة
الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وهو طرح لا يحظى بترحيب داخلي، بل يثير انقسامًا واضحًا حتى داخل دوائر قريبة من مراكز القرار، التي تعتبره خطوة سابقة لأوانها وتحمل كلفة سياسية داخلية مرتفعة.
في المقابل، يبرز رهان على مسار موازٍ يقوم على نجاح مفاوضات أميركية–إيرانية محتملة في باكستان، بحيث تنعكس نتائجها على الملف اللبناني. ويستند هذا الطرح إلى سيناريو يقضي بانسحاب إسرائيلي من لبنان، مقابل التزام إيراني بعدم قيام “حزب الله” بأي عمليات عسكرية، تمهيدًا لمعالجة تدريجية لملف السلاح ضمن إطار داخلي لاحق. وهو مسار، إن تحقق، لن يكون منفصلًا عن دور المملكة العربية
السعودية، التي تعمل على تأطير أي تسوية ضمن مرجعية مبادرة السلام العربية وبالتالي تأجيل لقاء عون _ نتنياهو .
وفي هذا الإطار، تكثف الرياض تحركها الدبلوماسي، حيث نشط الموفد السعودي يزيد بن فرحان في لقاءاته مع القيادات
اللبنانية، ولا سيما
رئيس مجلس النواب نبيه بري، مع التركيز على تطبيق اتفاق الطائف، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز دور المؤسسات من دون المساس بالتوازنات السياسية. وقد تواكب ذلك مع سلسلة اتصالات رفيعة، شملت زيارات لشخصيات لبنانية، واتصالًا بين الرئيس عون وولي العهد محمد بن سلمان، إضافة إلى تنسيق بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان والرئيس نبيه بري.
وتستند هذه المقاربة إلى قاعدة واضحة: انسحاب
إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة منذ عام 1967، تنفيذًا لقراري مجلس الأمن 242 و338، ومخرجات مؤتمر مدريد ومبدأ “الأرض مقابل السلام”، مقابل إقامة علاقات طبيعية في إطار سلام شامل.
في الخلاصة، تتقاطع ثلاثة مسارات رئيسية: ضغط أميركي زمني يفرض إيقاعا سريعًا، انفتاح إيراني مشروط يختبر فرص التفاوض، وحراك
سعودي يسعى إلى تثبيت مرجعية عربية جامعة. وبين هذه المسارات، يقف لبنان في موقع المتأثر المباشر، حيث تتداخل حساباته الداخلية مع مآلات التفاهمات الإقليمية.
وعليه، يبقى السؤال الجوهري مفتوحا: هل يذهب ترامب نحو فرض لقاء عون–نتنياهو، أم يفسح المجال أمام مسار تفاوضي أوسع يبدأ من باكستان؟ وهل تنجح السعودية في تأجيل هذا لقاء واشنطن وفرض إيقاع مختلف؟ الإجابة لا تزال رهن توازنات دقيقة، لكن المؤكد أن ما يُرسم اليوم في الكواليس سيحدد شكل المرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة.