تظهر المعطيات السياسية الأخيرة مسارًا دقيقًا يتحرّك فيه لبنان بين ضغوط دولية متزايدة وسقوف داخلية واضحة، في ظل سعي لإعادة إطلاق مسار تفاوضي مع إسرائيل من دون كسر الثوابت السياسية أو الإخلال بالتوازنات الداخلية.
وفي هذا السياق، حملت الزيارة
السعودية إلى
بيروت، والتي قادها الأمير يزيد بن فرحان، رسائل متعددة الأبعاد، أبرزها التأكيد على حق لبنان في خوض مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، ولكن ضمن مقاربة هادئة ومتدرجة، تضمن تحقيق أهداف أساسية تتمثل في الانسحاب
الإسرائيلي، إعادة الإعمار، وحصر السلاح بيد الدولة فضلا عن تمسّك الرياض بالإجماع العربي، لا سيما لجهة رفض أي لقاء أو تواصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو موقف يعكس حرصًا على عدم تجاوز الخطوط السياسية العربية في هذه المرحلة الحساسة، فضلا عن ان الزيارة اتت ضمن سياق دعم اتفاق الطائف، مع التشديد على تعزيز العلاقة بين الرؤساء الثلاثة، واعتبار المسّ بموقع رئاسة الحكومة خطًا أحمر، ما يعكس تمسّكًا واضحًا بالتوازنات.
أما على خط زيارة الرئيس العماد جوزاف عون إلى
الولايات المتحدة، فتفيد المعلومات بأن فكرة لقاء مع نتنياهو غير مطروحة أساسًا لدى بعبدا، كما لم يتلقّ الرئيس عون أي دعوة رسمية من البيت الأبيض حتى الآن. وفي حال حصلت زيارة للرئيس عون إلى
واشنطن، فهي ستكون محصورة بلقاء مع الرئيس الأميركي
دونالد ترامب، ما يعكس محاولة حصر التواصل بالإطار الثنائي اللبناني–الأميركي من دون توسيعه إلى مسارات حساسة أخرى.
وفي السياق أفاد بعض المعلومات عن احتمال أن يزور رئيس مجلس النواب نبيه بري قصر بعبدا، مطلع الاسبوع حيث من المتوقع أن يركّز النقاش على مسار المفاوضات مع إسرائيل، وسط تأكيده المستمر على رفض مسار التفاوض المباشر ، في إشارة إلى تحفّظه على أي إطار قد يفرض إيقاعًا خارجيًا على القرار اللبناني.
ميدانياً، عاد التصعيد ليطغى على مشهد الهدنة في لبنان، مع تجدّد الغارات
الإسرائيلية على بلدات الجنوب، في خطوة تعكس واقعًا ميدانيًا متقلّبًا لا يزال بعيدًا عن أي استقرار فعلي.فقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتكثيف الضربات أعاد تسليط الضوء على هشاشة التهدئة القائمة حيث طالت الاستهدافات مناطق عدّة جنوبية كحداثا وخربة سلم والسلطانية، ترافقت مع تحليق للطيران الحربي، فيما أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن طبيعة العمليات لم تتغيّر، وأنها تندرج ضمن السياق العسكري نفسه الذي اعتمد في الفترة الماضية، من دون توسّع نحو العمق اللبناني.
وقالت هيئة البث الإسرائيلية أن جهات أمنية تدعو إلى ممارسة ضغوط أميركية على لبنان، لدفع الجيش اللبناني إلى التحرّك ضد “حزب الله” خارج مناطق سيطرة إسرائيل. هذا الطرح يفتح بابًا إضافيًا على تعقيدات المشهد، حيث لا تقتصر الرسائل على الميدان، بل تمتد إلى محاولة التأثير في توازنات الداخل اللبناني.
ويعكس هذا التوجّه سعيًا إسرائيليًا لنقل جزء من المواجهة إلى الداخل، عبر تحميل الدولة ، ومؤسساتها العسكرية تحديدًا، مسؤولية ضبط الوضع الأمني في مناطق لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية. كما يندرج ضمن إطار أوسع من الضغط السياسي، بالتوازي مع الضربات الجوية التي أُعيد تكثيفها بقرار من نتنياهو.