حذّر تحليل نشره موقع BISI من أن العملات المشفّرة لم تعد مجرّد وسيلة مالية خارجة عن المنظومة التقليدية، بل تحوّلت تدريجياً إلى أداة تُستخدم في الالتفاف على العقوبات، وتمويل النفوذ السياسي، وحتى تحقيق مكاسب شخصية لقادة ومسؤولين، في تطور يضع الديمقراطيات أمام اختبار تنظيمي وسياسي متزايد الصعوبة.
وبحسب التحليل، فإن الطبيعة اللامركزية وغير الخاضعة لرقابة صارمة جعلت العملات المشفّرة أكثر جاذبية في بيئة دولية مضطربة تتداخل فيها الأزمات الصحية والاقتصادية والحروب والنزوح، وهو ما زاد الضغوط على المؤسسات
الديمقراطية وفتح المجال أمام توظيف هذه الأدوات المالية بطرق تتجاوز الهدف الذي أنشئت من أجله أصلاً.
وأشار التقرير إلى أن بعض الحكومات الخاضعة للعقوبات وجدت في العملات المشفّرة منفذاً لتجاوز القيود المالية. وفي هذا السياق، برزت كوريا الشمالية مثالاً واضحاً عبر مجموعة Lazarus المرتبطة بالدولة، والتي اتُّهمت بسرقة ما لا يقل عن 3.4 مليارات دولار من العملات المشفّرة منذ بدء عملياتها، في مسعى لتأمين موارد خارج النظام المالي الدولي. كما استعرض التقرير تجربة فنزويلا مع عملة “البترو” التي أُطلقت عام 2018، قبل أن ينتهي المشروع وسط اتهامات باختلاس نحو 3 مليارات دولار من قبل مسؤولين حكوميين.
ولم يحصر التقرير هذه الظاهرة بالأنظمة السلطوية، بل رأى أن توظيف العملات المشفّرة لتحقيق منافع سياسية ومالية بات يمتد إلى دول ديمقراطية أيضاً. ولفت إلى مثال عملة $TRUMP التي قال إن إطلاقها ترافق مع حوافز لكبار المشترين، ما اعتُبر نموذجاً لاستخدام المنصب العام في تحقيق مكاسب خاصة. كما تناول حالة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي رُوّج لعملة $Libra المرتبطة بمحيطه السياسي، قبل أن تنهار قيمتها سريعاً وتخلّف خسائر قُدرت بنحو 250 مليون دولار لأكثر من 70 ألف مستثمر، وسط شبهات بتحويلات مالية لجهات على صلة به مقابل الترويج لها.
وفي جانب آخر، شدد التحليل على أن العملات المشفّرة أصبحت وسيلة فعالة للتأثير السياسي الخارجي، خصوصاً في الانتخابات، نظراً إلى سهولة تحويلها عبر الحدود وصعوبة تتبع مصادرها. وأورد في هذا الإطار معطيات تفيد بأن
روسيا استخدمت العملات المشفّرة، إلى جانب وسائل أخرى، لتمويل أحزاب وسياسيين في عشرات الدول، كما أشار إلى أن التمويل الروسي غير القانوني خلال انتخابات مولدوفا عام 2024 تجاوز 100 مليون دولار.
وأوضح التقرير أن هذا الخطر دفع عدداً من الدول إلى التحرك تشريعياً، فحظرت البرازيل وإيرلندا استخدام العملات المشفّرة في التمويل السياسي، بينما اتخذت بريطانيا إجراءات في عام 2026 شملت سقفاً سنوياً لتبرعات الناخبين المقيمين في الخارج وحظراً على التبرعات السياسية بالعملات المشفّرة إلى حين تنظيمها بشكل كافٍ، كما طرحت كندا مشروع قانون في الاتجاه نفسه.
وخلص التحليل إلى أن أخطر ما في توسع العملات المشفّرة ليس التقنية بحد ذاتها، بل الفراغ التنظيمي الذي يسمح باستغلالها في تقويض الشفافية وتعميق اختلالات القوة بين الدول والفاعلين السياسيين. وتوقع أن تلجأ دول تعاني ضغوطاً اقتصادية متزايدة إلى هذه الأدوات للالتفاف على القيود خلال الأشهر المقبلة، وأن يستمر استخدامها في التأثير على الانتخابات الخارجية وفي إثراء بعض
القادة سياسياً ومالياً، بالتوازي مع توجه ديمقراطيات إضافية نحو تقييدها أو حظرها في التمويل السياسي.