بدأت آثار الحصار البحري الأميركي للموانئ
الإيرانية، تتظهر في مختلف القطاعات الصناعية والاقتصادية في
إيران.
فقد توقفت صناعة السجاد الإيرانية الشهيرة، بشكل شبه كلي تقريباً. وقال نجل أحد صانعي السجاد إن نحو 80% من مصنّعي السجاد والبُسط توقفوا عن العمل في المنطقة الصناعية بمدينة كاشان، مركز صناعة السجاد في البلاد. وأكد أن مصنع عائلته، الذي كان يُشغّل ما بين 20 و30 عاملاً وينتج مئات السجاجيد شهرياً بالآلات، هو أحد المصانع التي أغلقت، رغم أن والده لا يزال يتوجه يومياً إلى المصنع. وأضاف، طالباً عدم
الكشف عن هويته لأسباب أمنية: "لم أرَ والدي يوماً بهذا القدر من الحزن".
كما أوضح أن كاشان، التي تضم مئات مصانع السجاد، "تعتمد على صناعة السجاد، وللأسف أصيبت بالشلل". فقد انهارت الصادرات منذ بدء الحرب، وباتت المبيعات المحلية شبه معدومة، حسب ما أفادت "أسوشييتد برس".
كذلك قفزت أسعار الألياف الصناعية بنسبة تتراوح بين 30% و50%، جزئياً نتيجة الضربات التي طالت منشآت بتروكيماوية.
من جانبه، قال مهدي بستانجي، مالك مصنع للتهوية وتكييف الهواء وآخر لإنتاج المراوح المنزلية، ويعمل فيهما أكثر من 1130 موظفاً، إن المصنعين لا يزالان يعملان. لكنه أشار إلى أن مصنع التكييف يعتمد بشدة على قطاع البناء، و"قطاع البناء يتعرض لصدمة هائلة". إذ توقفت معظم المشاريع الجديدة، فيما تضاعف سعر صفائح الحديد بأكثر من الضعف. وأضاف بستانجي، وهو عضو في مجلس يمثل الصناعيين الإيرانيين، أن "جميع الصناعات في البلاد تعتمد بشكل أو بآخر على صناعتنا البتروكيماوية". وحتى الشركات التي لا تحتاج مباشرة إلى الصلب أو المنتجات البتروكيماوية، لديها عقود مع شركات تحتاجها.
إلى ذلك، قال مهندس كيميائي يعمل لدى أحد أكبر المقاولين الخاصين في مجال البناء في إيران إن شركته سرّحت نصف موظفي مقرها
الرئيسي البالغ عددهم 180 شخصاً، واضطرت إلى إيقاف مشروع مع شركة "مباركة للصلب"، ما أدى إلى فقدان ألف وظيفة.
أما أحد سكان طهران، فقد ترك عمله كمستشار هندسي قبيل الحرب، وأصبح العمل الجديد الذي كان يترقبه غير مؤكد. وقال: "أنا ضمن أعلى 1% (من المجتمع)، وأنا الآن بلا عمل. أنا قلق جداً بشأن مستقبلي»، مضيفاً أن مدّخرات الناس ستبدأ بالنفاد خلال الأسابيع المقبلة.
كذلك باتت معامل الألبان تكافح للعثور على عبوات لتعبئة الحليب والزبدة. أما مصانع الصلب العملاقة التي كانت في يوم ما محرّك الاقتصاد
الإيراني فقد خفت صوتها.
مئات الآلاف بلا عمل
بينما فقد مئات الآلاف وظائفهم، وبات ملايين آخرون معرّضين لفقدان مصادر رزقهم.
فخلال أكثر من خمسة أسابيع من الحرب الأميركية
الإسرائيلية التي تفجرت في 28 شباط ضد إيران، أصابت الضربات الجوية آلاف المصانع الإيرانية. وقد تردد صدى هذا الدمار عبر الاقتصاد الإيراني، مهدِّداً بموجات متزايدة من التسريحات، في وقت يواجه فيه الإيرانيون ارتفاعاً حاداً في الأسعار. إذ ارتفعت أسعار الدجاج بنسبة 75% خلال الشهر الماضي، بينما قفزت أسعار لحم البقر والضأن بنسبة 68%. وازدادت أسعار العديد من منتجات الألبان بنحو النصف، وفق وكالة "أسوشييتد برس".
الوضع قد يزداد سوءاً
هذا وقد يزداد الوضع سوءاً مع استمرار فرض
الولايات المتحدة الحصار على الموانئ الإيرانية، ما يخنق العديد من الواردات وصادرات النفط التي تدرّ مليارات الدولارات.
مع ذلك، تمتلك إيران سلاحها الخاص الموجَّه إلى الاقتصاد العالمي، عبر سيطرتها على مضيق هرمز. ويؤكد قادتها أنهم لن يعيدوا فتح هذا الممر البحري الحيوي للطاقة العالمية إلا إذا رُفع الحصار وانتهت الحرب. وهم يراهنون على أن اقتصاداً بُني على الاعتماد على الذات في ظل عقود من
العقوبات الدولية قادر على تحمّل الألم لفترة أطول من قدرة الرئيس الأميركي
دونالد ترامب.
وفي السياق، قال نائب وزير العمل غلام حسين محمدي، إن بلاده فقدت ما لا يقل عن مليون وظيفة بشكل مباشر بسبب الحرب. إلا أن التأثيرات المتتالية قد تعرّض ما بين 10 و12 مليون وظيفة للخطر – أي نحو نصف القوى العاملة في إيران – وفق تحذير هادي كهلزاده، وهو اقتصادي إيراني.
شلل في إنتاج الصلب والبتروكيماويات
كما أضاف كهلزاده، وهو باحث زائر في جامعة برانديز، أن نحو 20 ألف مصنع، أي ما يقارب 20% من وحدات الإنتاج تضررت في البلاد. وشملت المنشآت المتضررة شركة "توفيق دارو"، أكبر تكتل دوائي في إيران، والتي تُنتج أدوية مضادة للسرطان، إلى جانب شركات للصناعات البصرية والكيميائية، ومصانع للألمنيوم والإسمنت.
أما الأثر الأشد فكان عبر استهداف
إسرائيل أكبر مصانع الصلب والبتروكيماويات، معظمها في موجة ضربات وقعت قبيل وقف إطلاق النار في 8 نيسان. فقد أوقفت شركتا "مباركة للصلب" و"خوزستان للصلب"، وهما الأكبر في البلاد، إضافة إلى مصانع أصغر، عملياتها.
كما أُغلق أكثر من 50 مجمعاً بتروكيماوياً، بحسب وكالة "جاماران" شبه الرسمية. ما أدّى ذلك إلى شلّ أكبر صادرات إيران غير النفطية، وارتفاع الأسعار في سلاسل متعددة شملت البلاستيك والأنابيب والأقمشة ومواد التغليف لسلع أساسية مثل الحليب والزبدة والجبن.
علماً أن سبب هذه الأزمة الاقتصادية لا يعود إلى الضربات الجوية فقط، فقد جرى تعطيل الإنترنت إلى حدٍّ كبير منذ الاحتجاجات في يناير الماضي، ما وجّه ضربة قاسية للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على المبيعات عبر الإنترنت.
"من يصرخ أولاً"
في المقابل، تحاول السلطات طمأنة الرأي العام بأن إيران قادرة على تحمل الألم الاقتصادي، وقد وعدت الحكومة بزيادة إعانات البطالة.
غير أن الضغوط على نظام الضمان الاجتماعي تتزايد في وقت يتراجع فيه تمويله، إذ يعتمد بشكل كبير على حصصه في شركات بتروكيماوية وصناعات رئيسية أخرى، وفق كهلزاده.
لاسيما أن الحصار الأميركي هدد بقطع عائدات الصادرات، إذ باعت إيران نحو 98 مليار دولار من الصادرات في عام 2025، كان ما يقارب نصفها من النفط.
فيما رأى بعض الخبراء أن الحصار الكامل أمر صعب، إذ يمر نحو نصف تجارة إيران غير النفطية براً أو عبر موانئ بحر قزوين، بحسب الخبير الاقتصادي إصفنديار باتمانغليج.
كما بنت إيران قدراً كبيراً من القدرة على الصمود و"الاستعداد لأسوأ السيناريوهات"، وفق ما كتب باتمانغليج لمؤسسة "بورصة وبازار" البحثية.
إذ تحتفظ إيران بمخزونات كبيرة من الإمدادات الحيوية. ففي نهاية عام 2025، كانت لديها مخزونات من الآلات الكهربائية تكفي قرابة ثمانية أشهر، وإسمنت يكفي نحو ستة أشهر، وحديد وصلب لما يقارب أربعة أشهر، مع إمكانية إطالة هذه الفترات عبر تقنين الاستهلاك.
لعل هذا ما يدفع طهران إلى التمسك بعدم تنفيذ الشروط الأميركية من أجل وقف الحرب إلى الآن، مراهنة على "من يصرخ أولاً"، أميركا التي تتكبد أموالاً كبيرة جراء الحشد العسكري في المنطقة ومخاطر سياسية قد ترتد عليها في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر الآتي إذا استمرت الحرب، أم الاقتصاد الإيراني الذي كان يعاني أساساً حتى قبل تفجر الصراع.