تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

حين تُستهدف بكركي.. يضعف لبنان

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
03-05-2026 | 02:00
A-
A+
حين تُستهدف بكركي.. يضعف لبنان
حين تُستهدف بكركي.. يضعف لبنان photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
كل ما "دقّ الكوز بالجرّة" توجّه السهام إلى بكركي، وإلى سيدها، سواء أكان اسمه بشاره الراعي أو نصرالله صفير أو أنطون العريضة أو الياس الحويك. صحيح أن الانتقاد الموضوعي هو أساسي في الحياة الديمقراطية، وكذلك إبداء الرأي تجاه رأي آخر. وهذا ما يُسمّى بالتعددية بكل أشكالها ومظاهرها، سواء أكانت دينية وسياسية وثقافية ونمط عيش.  ولو لم يكن في لبنان وجهات نظر مختلفة، تتلاقى أحيانًا وتتباعد أحيانًا أخرى، لما أطلق البابا القديس يوحنا بولس الثاني عليه صفة الرسولية، ولما وصفه البابا لاوون الرابع عشر بـ "الاعجوبة". ولكن ما هو ليس صحيحًا أن ينحدر الخطاب السياسي والشعبي إلى المستوى، الذي وصلت إليه الحملات الأخيرة ضد مقام بكركي.
 
 
 من المتعارف عليه أن التعددية في لبنان غنىً روحي ووطني وانساني تفاعلي، وليست بالطبع سببًا للتقاتل والتناحر والانغلاق والتقوقع. ولكن متى انحرف المرء عن جادة المعرفة والحقيقة تصبح هذه التعددية بمفاهيمها الخاطئة بالنسبة إلى البعض سببًا من بين أسباب كثيرة لإعلان الطلاق والتأكد من استحالة العيش تحت سقف واحد وفي بيت واحد، وبالتالي يصبح الافتراق "أبغض الحلال".
 

فهذا الواقع المؤلم يتخطّى ما يتمناه المرء فلا يدركه، لأنه يبقى بخلفياته الدفينة أقوى من أي شيء آخر. فالحفاظ على العيش المشترك من أدبيات من سبقونا من كبار من بلاد الأرز، وعلى رأسهم مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل، الذي كان متمسكًا بهذه الصيغة حتى النفس الأخير، على رغم ما مرّ به لبنان من مآسٍ وحروب وويلات ومصائب. ولكن هذه الصيغة بالنسبة إلى الأجيال الشبابية من كل الأطراف والبيئات إن لم تكن محصّنة بما يكفي من الدعائم المتينة ستهوي عند هبوب أول عاصفة، وسيكون لبنان على موعد كل "ما هبّ الهوى وتجرّح الموال" مع زلزال سياسي أو أمني، وغالبًا ما تقود الرياح العاتية الآتية من الخارج سفينة الوطن إلى الموانئ غير الآمنة والمحفوفة بكل أنواع المخاطر.  
 

وعلى رغم انقياد البعض من هذه الجهة أو تلك إلى ما يُخطّط له في الخارج، غربًا وشرقًا، فإن ثمة اناسًا كثيرين في لبنان لا يزالون يؤمنون بأن لبنان، بمساحته الجغرافية الصغيرة (10452 كلم مربعًا) هو لجميع أبنائه على السواء، وأن عليهم العيش معًا على "الحلوة والمرّة"، وأن لبنان المسيحي لن تُكتب له الحياة، وكذلك لبنان المسلم.
 

وهذه القناعة بالنسبة إلى كثيرين مبنية على وقائع معيوشة، ولسيت مجرد شعر مغنّىً. ولكن لكي تبقى هذه القناعة راسخة ومعمّمة يُفترض بالجميع، ومن دون استثناء، احترام ما لدى الآخرين من خصوصيات وربما من رموز ومقدسات. فما شهدنا في اليومين الماضيين على صفحات التواصل الاجتماعي من تطاول مقصود على مقام البطريرك الراعي وصل إلى حدّ الابتذال والسوقية وقلّة الاخلاق والمستوى المتدني من التعبير، لا يصب في خانة الداعين إلى تحصين الوحدة والصيغة، ولا يخدم بالتالي إلا المشاريع التقسيمية، التي ينساق وراءها البعض، إمّا عن قناعة أو ربما بقصد الإساءة إلى التاريخ المشترك للبنانيين، الذين اختاروا أن يكون "لبنان كبيرًا"، وبحجم طموح أبنائه وأحلامهم وتطلعاتهم.
 

وما يزيد من خطورة هذا الانحدار في الخطاب، أن الاستهداف لم يعد يقتصر على موقع بكركي كمرجعية وطنية جامعة، بل بات يطال رمزية الدور التاريخي الذي أدّته في أحلك الظروف، يوم كان الوطن مهددًا في كيانه وهويته. فبكركي لم تكن يومًا طرفًا في صراع عابر، بل كانت في محطات مفصلية صوت الضمير، وملاذ التوازن، وجسر العبور نحو التسويات الكبرى التي حفظت ما أمكن حفظه من صيغة العيش المشترك.
 

من هنا، فإن التطاول على هذا المقام لا يمكن عزله عن مناخ عام يُراد له أن يضرب ما تبقّى من ثوابت وطنية، تمهيدًا لإدخال البلاد في متاهات الانقسام الحاد، حيث تختلط الحرية بالفوضى، والنقد بالإساءة، والرأي بالتجريح. وفي زمن الانهيارات الكبرى، يصبح استهداف الرموز أسهل الطرق لهدم المعنويات وتفكيك ما تبقّى من عناصر الصمود الداخلي.
 

وفي المقابل، لا يمكن لبكركي، ولا لسواها من المرجعيات، أن تكون بمنأى عن النقد الموضوعي، لكن الفارق كبير بين نقد يستند إلى منطق ومسؤولية، وبين حملات منظمة أو عفوية تنحدر إلى مستويات غير مسبوقة من الإسفاف. فحرية التعبير، التي تُعدّ من أبرز ما يميّز لبنان، لا يمكن أن تتحوّل إلى غطاء للفوضى أو منصة لتصفية الحسابات السياسية والطائفية.
 

إن ما يحتاج إليه لبنان اليوم ليس المزيد من الشحن والتحريض، بل إعادة ترميم الثقة بين مكوّناته، والعودة إلى خطاب عقلاني يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فالمعركة الحقيقية ليست بين بكركي والآخرين، ولا بين طائفة وأخرى، بل هي معركة بقاء وطن يرزح تحت أثقال أزمات متراكمة، من اقتصادية إلى سياسية وأمنية، على أن يبقى الرهان على وعي اللبنانيين، الذين خبروا مرارة الانقسام ويدركون أن كلفة السقوط في الفتنة أكبر بكثير من أي خلاف سياسي أو فكري. فلبنان، الذي صمد على رغم كل العواصف، لا يمكن أن يُهزم إلا إذا هُزم أبناؤه من الداخل، وإذا ما تخلّوا عن أبسط قواعد الاحترام المتبادل، التي تشكّل حجر الأساس لأي عيش مشترك. فهل يتعلّم اللبنانيون من دروس الماضي، أم أن التاريخ سيعيد نفسه، ولكن هذه المرّة بكلفة أكبر؟
 
 
 
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas