بطلب مباشر من الرئيس
دونالد ترامب، عاد الحديث في الداخل اللبناني مجددًا بشأن إلغاء قانون مقاطعة
إسرائيل. فلبنان، الذي يُصنّف إسرائيل عدوًا، لا يزال يواجه اعتداءات متكررة، من احتلال واغتيالات وقصف وتدمير للقرى، وصولًا إلى استهداف المدنيين من أطفال ونساء ورجال، وحتى الإعلاميين الذين يوثّقون هذه الانتهاكات. وفي موازاة ذلك، بات الانقسام واضحًا في الداخل بين من يؤيد هذا التوجّه ومن يعارضه. فهل يمكن للبنان قانونيًا إلغاء قانون "مقاطعة إسرائيل"؟
في هذا السياق، أكّد المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين، في حديث لـ"
لبنان 24"، أنّه من الناحية النظرية وبصورة عامة، لا يوجد قانون غير قابل للإلغاء أو التعديل أو التعليق، بل يُشترط دائمًا أن يتمّ ذلك بموجب قانون، عملًا بقاعدة موازاة الصيغ والأصول، على ألا يكون قانون الإلغاء متعارضًا مع نصوص الدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وانطلاقًا من هذه المقاربة، تقتضي دراسة المسألة.
أمّا بشأن الجهة المخوّلة بإلغاء القانون، فأوضح أنّ عملية إلغاء أي قانون تتمّ بالآلية نفسها لوضعه، وذلك يبدأ باقتراح قانون يتقدّم به نائب أو أكثر، أو بمشروع قانون يضعه
مجلس الوزراء ويُحال إلى مجلس النواب.
وفي الحالتين، يُحال الاقتراح أو المشروع إلى اللجان النيابية المختصة لدراسته ووضع تقرير بشأنه، ثم يُعرض على الهيئة العامة لمجلس النواب مرفقًا بتقرير اللجنة، حيث تجري المناقشة والتصويت. وبعد إقراره، يصدره رئيس الجمهورية خلال شهر من إيداعه رئاسة الجمهورية، أو يردّه إلى البرلمان، الذي يستطيع الإصرار عليه بالأغلبية المطلقة من مجموع أعضائه. وفي حال عدم اتخاذ رئيس الجمهورية موقفًا ضمن مهلة الإصدار، يُنشر القانون حكمًا.
وأشار إلى أنّه من الناحية الدستورية، يحتاج إقرار القانون إلى نصاب حضور في المجلس النيابي لا يقلّ عن الأغلبية المطلقة، وإلى تأييد الأغلبية من الحاضرين. أمّا من الناحية السياسية، فعندما يكون القانون على هذا القدر من الحساسية، ولا سيما في ما يتعلّق بقانون مقاطعة إسرائيل، فإنّ المسألة تتطلّب توافقًا وطنيًا.
وفي ما يتعلّق بإمكان تعارض إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل مع الدستور أو مع مبدأ عدم الاعتراف بإسرائيل، اعتبر أنّ التعمّق في الموضوع يُظهر أنّ إلغاء القانون، في ظلّ استمرار العدوان والاحتلال الإسرائيليين لأراضٍ لبنانية، والأطماع المعلنة بالأرض
اللبنانية، قد يتعارض مع مقتضيات السيادة والاستقلال ونهائية الكيان اللبناني ورفض التوطين، كما ينصّ الدستور اللبناني. كذلك، قد يتعارض مع التزامات
لبنان العربية التي تربط الاعتراف والسلام مع إسرائيل بانسحابها من الأراضي العربية المحتلة وعودة اللاجئين
الفلسطينيين إلى ديارهم، عملًا بمقررات قمة
بيروت العربية 2002.
أمّا في ما يخصّ التعامل مع إسرائيل قانونيًا في حال إلغاء القانون، فأوضح أنّ إلغاءه يزيل إحدى العوائق القانونية، لكن تبقى عوائق أخرى منصوص عليها في قوانين مختلفة، لا سيما قانون العقوبات الذي يجرّم التعامل والتواصل مع أي عدو من دون تحديد.
وفي ما يتعلّق بإمكانية الطعن بالقانون، أكّد أنّه يمكن لكل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، أو عشرة نواب، الطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري بحجة عدم دستوريته، وذلك خلال مهلة خمسة عشر يومًا من تاريخ نشره.
متى ومن أقرّ قانون مقاطعة إسرائيل؟
بحسب الوقائع الموثّقة، أُقرّ قانون مقاطعة إسرائيل في مجلس النواب اللبناني، وصدر رسميًا في 23 حزيران 1955، خلال عهد رئيس الجمهورية كميل شمعون، وفي ظل حكومة الرئيس سامي الصلح. وقد جاء هذا الإقرار في سياق
التزام لبنان بسياسة المقاطعة العربية آنذاك، إلا أنّ النقاشات البرلمانية أظهرت بوضوح بُعدًا لبنانيًا خاصًا، يتجاوز الإطار العربي العام.
وفي تلك المرحلة، كان غسان تويني يشغل منصب نائب عن بيروت ونائب رئيس مجلس النواب، وبرز خلال الجلسات كأحد أبرز الداعمين لإقرار القانون. ونُقل عنه موقف لافت شدّد فيه على أنّ لبنان "أكثر مصلحة من أي بلد عربي آخر في إقرار وتطبيق قانون المقاطعة"، في تعبير يعكس خصوصية الواقع اللبناني سياسيًا واقتصاديًا في تلك الحقبة.