تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

لبنان… بلد مُعلّق على هدف واحد

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi

|
Lebanon 24
11-05-2026 | 05:00
A-
A+
لبنان… بلد مُعلّق على هدف واحد
لبنان… بلد مُعلّق على هدف واحد photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لا تبدو الأزمة في لبنان اليوم كما هي في الواقع، إنما كما يُراد لها أن تُروى. بلدٌ يرزح تحت انهيار شامل، اقتصاديًا واجتماعيًا ومؤسساتيًا، فيما يجري اختزال كل هذا المشهد المعقّد في عنوان واحد يُقدَّم كمدخل وحيد لأي حل: نزع سلاح حزب الله. هكذا، لا يتم التعامل مع الأزمات بوصفها أزمات مستقلة تحتاج إلى قرارات عاجلة، إنما تُعاد صياغتها ضمن مسار واحد، يُجمّد كل ما عداه.
Advertisement

هذا التحوّل ليس تفصيلاً في الخطاب، إنما إعادة بناء كاملة للأولويات. فجأة، لم يعد انهيار النظام المالي هو القضية المركزية، رغم ضياع ودائع اللبنانيين وتفكك القطاع المصرفي. لم يعد تفكك مؤسسات الدولة هو الخطر الداهم، رغم الشلل الذي يصيب القضاء والإدارة والخدمات العامة. لم تعد الهجرة الجماعية ولا انهيار التعليم والصحة ملفات ملحّة. كل هذه الأزمات، على خطورتها، وُضعت في خانة الانتظار، إلى حين معالجة ملف واحد يُقدَّم كمدخل إلزامي لكل شيء.

في قلب هذا المشهد، يقف الانهيار المالي كجريمة بلا محاسبة. سنوات من السياسات الخاطئة والهندسات المالية قادت إلى فجوة هائلة، فيما بقيت المسؤوليات ضائعة بين السياسة والمصارف. لم يُفتح تحقيق شامل، ولم تُحدد المسؤوليات، ولم تُستعد الأموال المحوّلة. ليس لأن الحقيقة مجهولة، إنما لأن كشفها يهدد شبكة مصالح مترابطة، تملك القدرة على تعطيل أي مسار مساءلة. وهكذا، يُترك الملف معلقًا، ويُعاد توجيه النقاش بعيدًا عنه.

القطاع المصرفي، الذي يفترض أن يكون مدخل التعافي، تحوّل إلى عنوان للشلل المتعمّد. كل الخطط معروفة، من إعادة الهيكلة إلى توزيع الخسائر، لكن القرار غائب. أي إصلاح فعلي سيكشف حجم الخسائر ومن سيتحملها، وسيعيد رسم موازين القوة داخل النظام الاقتصادي. لهذا، يُترك هذا الملف في حالة تجميد دائم، فيما يُربط مصيره بملفات سياسية لا علاقة مباشرة لها به.

الدولة نفسها تعيش حالة تعليق مفتوحة. الكهرباء تستنزف دون حل، القضاء عاجز عن التقدم في القضايا الكبرى، الإدارة العامة تتفكك تحت ضغط الانهيار. هذه ليست ملفات تقنية تحتاج إلى سنوات من التفاوض الدولي، إنما قرارات داخلية يمكن اتخاذها في أي لحظة. ومع ذلك، لا تُتخذ. السبب لا يكمن في التعقيد، إنما في غياب الإرادة، وفي وجود مصلحة واضحة في إبقاء الوضع على ما هو عليه.

حتى برنامج صندوق النقد، بكل وضوح شروطه، لم ينجُ من هذا المنطق. الإصلاحات المطلوبة معروفة، من توحيد سعر الصرف إلى ضبط المالية العامة وتعزيز الشفافية. هذه الإجراءات تضرب جوهر النظام القائم على الزبائنية وتقاسم النفوذ، لذلك يتم الالتفاف عليها أو تأجيلها، عبر ربطها بمسار سياسي أوسع، يتيح إبقاء الأمور معلّقة.

ما يحدث في لبنان هو إعادة تعريف شاملة للأزمة. من أزمة نظام اقتصادي–سياسي فاسد إلى قضية واحدة يُعاد حولها ترتيب كل النقاش. هذا التحوّل يخفف الضغط عن المسؤولين عن الانهيار، ويحوّل الانتباه نحو ملف معقّد يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية. في هذه المعادلة، يصبح الاقتصاد رهينة، وتتحول معيشة اللبنانيين إلى تفصيل ضمن صراع أكبر.

الكلفة لا تحتاج إلى شرح. مجتمع يُستنزف يوميًا، قدرة شرائية تتآكل، مدخرات تتبخر، خدمات تنهار، وشباب يغادرون. في المقابل، تستمر شبكات النفوذ في تثبيت مواقعها، مستفيدة من غياب أي مسار فعلي للمحاسبة. الفوضى لا تُواجَه، إنما تُدار، والفراغ لا يُملأ، إنما يُستثمر.

الأخطر أن هذا المسار لا يقود إلى حل، إنما إلى تثبيت الانهيار كحالة دائمة. يتم الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار لمنع الانفجار الكامل، دون معالجة الأسباب. هكذا، يتحول الانهيار من مرحلة انتقالية إلى واقع مستقر، وتتحول الدولة من كيان يسعى إلى التعافي إلى كيان يتكيف مع العجز.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في تعدد الأزمات، إنما في اختزالها. حين يُعاد ربط كل شيء بهدف واحد، تُصبح بقية الملفات مؤجلة تلقائيًا. أموال المودعين، إعادة بناء المؤسسات، إصلاح الاقتصاد، مستقبل المجتمع… كلها تُرحَّل إلى مرحلة لاحقة قد لا تأتي. وفي هذا التعليق المستمر، لا يتراجع الفساد، إنما يترسخ، مستفيدًا من بلدٍ أُعيد تعريف أزماته ليبقى عالقًا داخلها.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi