ما هو الفرق بين أن يفاوض
لبنان إسرائيل، التي تحتل أجزاء واسعة من الجنوب، وجهًا لوجه من دون أي وسيط، وبين المفاوضات غير المباشرة؟ في الشكل يبدو الفرق واضحًا، بحيث أن التفاوض المباشر يعني أن تجلس الوفود المفاوضة قبالة بعضها البعض من دون أي وسيط، على رغم وجود الراعي الأميركي. أمّا التفاوض غير المباشر فيعني أن يجلس المفاوضون في غرفتين منفصلتين، ويتولى الوسيط الأميركي نقل الأفكار من غرفة إلى غرفة. وهذا الأمر، في رأي بعض الذين شاركوا في مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل في فترات سابقة من شأنه أن يعيق المسار التفاوضي في الشكل المطلوب. وبين التفاوض المباشر وغير المباشر يبقى المضمون ذاته مع النتائج المتوقعة والمقدّرة من دون زيادة أو نقصان.
ويسأل السائلون غير أولئك، الذين في نظراتهم براءة الأطفال، عن السبب، الذي يدفع بـ "
الثنائي الشيعي" إلى معارضة التفاوض المباشر مع المحتل الاسرائيلي ما دامت النتيجة واحدة ومعروفة سلفًا، وهي أن يتزامن الانسحاب
الإسرائيلي مع تسليم "
حزب الله" لكامل سلاحه إلى الدولة
اللبنانية أو إلى أي طرف آخر خارجي.
وفي رأي بعض المقربين من أجواء داعمي التفاوض المباشر أن رفض "الثنائي الشيعي" وبعض الذين يدورون في فلكه السياسي هذه الطريقة التفاوضية، التي أعلن عنها لبنان والتزم بها حرفيًا، يعود في الأساس إلى خشيتهم من أن تصبح مسألة الاتصال والتواصل المباشر مع المحتل من الأمور الطبيعية، وأن تسقط بالتالي فكرة المحرمات و"التابوهات". وأكثر ما يخشاه رافضو هذا الأمر أن تؤول هذه المفاوضات المباشرة إلى تبرير أي لقاء محتمل بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة
الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
غير أن هذا التوصيف، على ما فيه من تبسيط للواقع، لا يعكس كامل الصورة. فالمسألة بالنسبة إلى "الثنائي الشيعي" لا تتصل فقط بالشكل أو بـ "كسر التابو"، بل ترتبط، وفق ما تقوله أوساط مطّلعة، بحسابات أعمق تتصل بطبيعة الصراع وبسقف التسويات الممكنة. فالتفاوض المباشر، في نظر هذه الأوساط، لا يُختصر بكونه مجرد تقنية تفاوضية، بل يُعدّ انتقالًا سياسيًا ومعنويًا من مرحلة إلى أخرى، وهو ما يُخشى أن يُستثمر لاحقًا في سياق أوسع يتجاوز حدود الملف الحدودي أو الأمني.
وفي هذا السياق، تشير معلومات إلى أن بعض الجهات الدولية، وفي مقدمها
الولايات المتحدة، تدفع في اتجاه تكريس هذا النوع من التفاوض كمدخل لإعادة صياغة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ولو تحت عناوين تقنية في المرحلة الأولى. وهذا ما يفسّر، بحسب هذه القراءة، الحساسية المفرطة لدى المعارضين، الذين يرون في الشكل مقدّمة لتغيير في المضمون، ولو تدريجيًا.
في المقابل، لا يخفي مؤيدو التفاوض المباشر قناعتهم بأن لبنان لم يعد يملك ترف التمسك بالشكل، في ظل ما يتعرض له من ضغوط ميدانية واقتصادية غير مسبوقة. فبالنسبة إليهم، فإن الأولوية تبقى لوقف العدوان واستعادة الأرض وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، مهما كانت الوسيلة، شرط ألا تمسّ بالثوابت الوطنية. ويستند هؤلاء إلى تجارب سابقة، حيث لم يكن التفاوض غير المباشر أقل كلفة سياسية، ولا أكثر فاعلية في تحقيق النتائج المطلوبة.
وبين هذين المنطقين، تتعقّد مهمة رئاسة الجمهورية التي تحاول، وفق ما يتردد في الكواليس، إيجاد صيغة وسطية تُبقي الباب مفتوحًا أمام التفاوض من دون الذهاب إلى خطوات صادمة داخليًا. ومن بين الأفكار المطروحة، اعتماد مسار مباشر شكليًا، غير مباشر مضمونًا، بحيث يُحافظ على الحد الأدنى من التواصل المباشر تحت مظلة دولية، مع إبقاء تفاصيل التفاوض وإدارته ضمن قنوات وسيطة.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن إغفال العامل الإقليمي، الذي يلقي بثقله على هذا الملف. فالتطورات في العلاقة بين
واشنطن وطهران، ومسار المفاوضات غير المعلنة بينهما، وما أسفرت عنه أجواء رفض الرئيس الأميركي الردّ
الإيراني، تبقى عنصرًا حاسمًا في تحديد هامش الحركة المتاح أمام مختلف الأطراف اللبنانية. وكلما اقتربت هذه المفاوضات من تفاهمات معينة، انعكس ذلك ليونة في المواقف، والعكس صحيح.
أما في الداخل، فإن النقاش حول شكل التفاوض يكشف، في جوهره، عن أزمة أعمق تتعلّق بغياب رؤية وطنية موحّدة لكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل. فبين من يرى أن اللحظة تفرض الواقعية السياسية، ومن يتمسك بثوابت يعتبرها غير قابلة للمساومة، يبقى القرار اللبناني موزعًا بين اتجاهات متناقضة، ما يضعف قدرته على فرض شروطه، أيًا يكن شكل التفاوض.
قد يكون الفرق بين التفاوض المباشر وغير المباشر، في الظاهر، مسألة تقنية أو شكلية، لكن في العمق هو انعكاس لصراع سياسي حول هوية المرحلة المقبلة وخياراتها. وبين هذا الشكل وذاك، يبقى السؤال الأهم: هل يملك لبنان القدرة على تحويل أي مسار تفاوضي، مهما كان شكله، إلى فرصة حقيقية لوقف النزيف واستعادة ما يمكن استعادته، أم أن الانقسام الداخلي سيبقى العائق الأكبر أمام أي إنجاز محتمل؟