تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

إقتصاد

أزمة إيران تضرب بريطانيا من باب الاقتصاد

Lebanon 24
18-05-2026 | 04:01
A-
A+
أزمة إيران تضرب بريطانيا من باب الاقتصاد
أزمة إيران تضرب بريطانيا من باب الاقتصاد photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
كشفت الأزمة الإيرانية جانباً غير متوقع من هشاشة الاقتصاد البريطاني، إذ تبيّن أن المملكة المتحدة، رغم محدودية تجارتها المباشرة مع طهران، تُعد من بين الاقتصادات المتقدمة الأكثر تعرضاً لتداعيات الصراع، بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب طرق الشحن في الخليج، وتجدد الضغوط التضخمية عالمياً.
Advertisement

وبحسب Arabian Gulf Business Insight، لا تكمن المشكلة في حجم العلاقة التجارية بين بريطانيا وإيران، بل في بنية الاقتصاد البريطاني نفسه، الذي بات شديد الاعتماد على الطاقة المستوردة، والمواد الصناعية، وسلاسل الإمداد العالمية الهشة. فما يبدو ظاهرياً أزمة جيوسياسية إقليمية، تحوّل عملياً إلى اختبار لقدرة بريطانيا على امتصاص الصدمات الاقتصادية.

وتتمثل نقطة الضعف الأولى في ملف الطاقة. فبريطانيا أصبحت مستورداً صافياً كبيراً للنفط والغاز، مع اعتماد يقترب من 44 في المئة. وبما أن الغاز يؤدي دوراً محورياً في تسعير الكهرباء، فإن حتى الطاقة المنتجة محلياً تبقى متأثرة بحركة الأسواق الدولية.

وتزداد خطورة هذا الاعتماد مع موقع مضيق هرمز في قلب تجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز في العالم. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعاً على أسعار الغاز بالجملة، وكلفة الشحن، وأسواق الوقود. وبذلك، لا تستورد بريطانيا الطاقة فقط، بل تستورد معها تقلبات السوق نفسها.

وعلى خلاف فرنسا، لا تمتلك بريطانيا أسطولاً نووياً واسعاً يمكنه حماية الأسر والصناعات من صدمات الغاز العالمية. كما أنها تفتقر إلى قدرة كبيرة على تخزين الغاز استراتيجياً، ما يجعلها أكثر عرضة لأي اهتزاز في الإمدادات أو الأسعار.

وتظهر نقطة ضعف ثانية في الغذاء والأسمدة. فبريطانيا تستورد نحو 40 في المئة من غذائها مباشرة، لكن اعتمادها الفعلي يصبح أكبر عند احتساب الأسمدة ومدخلات الطاقة. فإنتاج الأسمدة يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي، فيما تلعب منطقة الخليج دوراً مهماً في الإمدادات العالمية.

ومع اشتداد التوتر في أسواق الطاقة، ارتفعت أسعار الأسمدة، ما دفع مزارعين إلى تأجيل الشراء، ورفع كلفة الإنتاج، وساهم في تسريع تضخم أسعار الغذاء. لذلك، لا ترتبط مشكلة التضخم في بريطانيا بتكاليف الشحن وحدها، بل بتآكل القدرة الإنتاجية المحلية على مدى عقود.

وينسحب النمط نفسه على سلاسل الإمداد الصناعية. فبريطانيا تستورد كميات كبيرة من المواد الكيميائية والغازات الصناعية ومكونات التصنيع، وكثير منها مرتبط بعمليات كثيفة استهلاك الطاقة أو بطرق الشحن في الخليج. وعندما يحدث اضطراب، ترتفع الكلفة بسرعة وتنتقل آثارها إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.

ويفاقم النموذج الاقتصادي البريطاني هذه الهشاشة. فالمملكة المتحدة لا تزال قوية في قطاعات المال والخدمات القانونية والتكنولوجيا، لكنها خسرت تدريجياً جزءاً كبيراً من قدرتها الصناعية واحتياطاتها الإنتاجية. وقد بدت أنظمة “الإنتاج في الوقت المناسب” فعالة في الظروف المستقرة، لكنها تتحول إلى مصدر ضعف عندما تتعرض التجارة العالمية لهزات جيوسياسية.

لذلك، تشعر بريطانيا بصدمات التضخم الخارجية بشكل أشد من اقتصادات تمتلك إنتاجاً محلياً أوسع. فضعف أمن الطاقة يتحول سريعاً إلى تضخم، والتضخم يخلق بدوره ضغطاً مالياً على الدولة والمستهلكين.

وتخلص الكاتبة أليس غاور، الشريكة في شركة Azure Strategy للاستشارات الجيو-اقتصادية في لندن، إلى أن الدرس الأول من الأزمة هو ضرورة إعادة أمن الطاقة إلى قلب السياسة الاقتصادية البريطانية. وهذا يتطلب مزيجاً أكثر تنوعاً وصلابة، يشمل تسريع الاستثمار في الطاقة النووية، وتوسيع البنية التحتية للشبكات، وتعزيز التخزين طويل الأمد، إلى جانب إعادة بناء قدرات تخزين الغاز.

أما الدرس الثاني، فهو حاجة بريطانيا إلى استراتيجية جدية للمرونة الصناعية. ولا يعني ذلك العودة إلى الحمائية، بل الاعتراف بأن بعض القطاعات، مثل الأسمدة والمواد الكيميائية وأشباه الموصلات والصناعات كثيفة الطاقة، تحمل أهمية استراتيجية تتجاوز حسابات الكلفة والربح القصيرة الأمد.

لقد أظهرت الأزمة الإيرانية أن بريطانيا مكشوفة أمام نظام عالمي لم يعد يعمل بالقدرة نفسها على التوقع والاستقرار. فقد خسرت البلاد كثيراً من أدوات الحماية التي كانت تخفف أثر الصدمات: تخزين الطاقة، والعمق الصناعي، والقدرة الإنتاجية المحلية.

والخلاصة أن الصدمة المقبلة قد تأتي من الخليج أو آسيا أو أي منطقة أخرى. لكن ما لم تعِد بريطانيا بناء مرونتها الداخلية، فقد تكون النتيجة الاقتصادية واحدة: تضخم أعلى، كلفة أكبر، واقتصاد أكثر هشاشة أمام الأزمات الخارجية.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك