لقد بات مؤيدو التفاوض المباشر مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بأن لبنان لم يعد يملك ترف التمسك بالشكل، في ظل ما يتعرض له من ضغوط ميدانية واقتصادية غير مسبوقة. فبالنسبة إليهم، فإن الأولوية تبقى لوقف العدوان واستعادة الأرض وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، مهما كانت الوسيلة، شرط ألا تمسّ بالثوابت الوطنية. ويستند هؤلاء إلى تجارب سابقة، حيث لم يكن التفاوض غير المباشر أقل كلفة سياسية، ولا أكثر فاعلية في تحقيق النتائج المطلوبة، على رغم الخلافات، التي بدأت تطفو على السطح بين أعضاء الوفد اللبناني المفاوض. وهذه الخلافات، إن لم تتدّخل الرئاسة الأولى لحسمها، قد تؤثّر كثيرًا على المسار التفاوضي، في الجلسة المتوقعة في 2 حزيران المقبل.
لكن هذه الخلافات، في رأي بعض المراجع، لن تؤثّر على الهدف الأساسي، الذي من أجله ذهب لبنان إلى واشنطن، لكن ما يقلق هذه المراجع أكثر من أي أمر آخر فهو هذا التباين بين مؤيدي التفاوض المباشر مع إسرائيل، التي تحتل أجزاء واسعة من الجنوب، وبين معارضي هذا الشكل من التفاوض، بحيث أن المهمة الرئاسية تصبح مع هذا التباين الجوهري بين هذين المنطقين معقدة وصعبة، خصوصًا أنها تحاول، وفق ما يتردد في الكواليس، إيجاد صيغة وسطية تُبقي الباب مفتوحًا أمام التفاوض من دون الذهاب إلى خطوات صادمة داخليًا. ومن بين الأفكار المطروحة، اعتماد مسار مباشر شكليًا، وغير مباشر مضمونًا، بحيث يُحافظ على الحد الأدنى من التواصل المباشر تحت مظلة دولية، مع إبقاء تفاصيل التفاوض وإدارته ضمن قنوات وسيطة ومرنة بعض الشيء.
غير أنّ الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في شكل التفاوض، بل في طبيعة المرحلة التي دخلها لبنان والمنطقة معًا. فالمفاوضات الجارية لم تعد محصورة بوقف إطلاق نار أو بترتيبات ميدانية محدودة، بل تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وحدود النفوذ والأدوار في الجنوب اللبناني، وهو ما يفسّر حجم الحساسية الداخلية تجاه أي خطوة قد تُفسَّر على أنّها انتقال سياسي من منطق الهدنة إلى منطق التسوية الشاملة.
وفي هذا السياق، ترى بعض الأوساط السياسية أنّ إسرائيل تحاول استثمار اللحظة الإقليمية الحالية، وما يرافقها من ضغوط اقتصادية ومالية خانقة يعيشها لبنان، لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، تبدأ من الجنوب ولا تنتهي عنده. ولذلك، فإنّ جزءًا من الاعتراض الداخلي على التفاوض المباشر لا يرتبط فقط بالشكل البروتوكولي أو بالشعارات التقليدية، بل بالخوف من أن يتحول هذا المسار تدريجيًا إلى مدخل لتغييرات أعمق في التوازنات اللبنانية الداخلية.
في المقابل، يعتبر مؤيدو الانفتاح على أي صيغة تفاوضية أنّ لبنان لم يعد يحتمل سياسة الانتظار أو إدارة الأزمة بالحد الأدنى. فالدولة المنهكة اقتصاديًا والمؤسسات المترهلة والعجز المتفاقم في البنى الخدماتية، كلها عوامل تجعل أي تأخير في تثبيت الاستقرار مكلفًا للغاية، خصوصًا أنّ الجنوب يحتاج إلى إعادة إعمار واسعة وإلى ضمانات تمنع تجدّد المواجهة في كل مرحلة توتر إقليمي.
ومن هنا، تبدو الرئاسة اللبنانية أمام اختبار دقيق للغاية. فهي مطالبة بالحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الداخلي، ومنع انفجار الانقسامات السياسية حول ملف شديد الحساسية، وفي الوقت نفسه إدارة مفاوضات معقدة تحت ضغط دولي وأمني كبير. ولذلك، فإنّ أي خلل في وحدة الموقف اللبناني أو أي تضارب داخل الوفد المفاوض قد يمنح الجانب الإسرائيلي هامشًا إضافيًا للمناورة والضغط.
كما أنّ بعض المراقبين لا يستبعدون أن يكون التباين الحالي جزءًا من عملية شدّ حبال داخلية تهدف إلى تحسين الشروط التفاوضية أكثر مما تعكس انهيارًا فعليًا للمسار القائم. فلبنان، بكل مكوّناته، يدرك أنّ العودة إلى الحرب الشاملة ليست خيارًا قابلًا للتحمل، وأنّ أي انفجار واسع جديد قد يدفع البلاد إلى انهيارات تتجاوز بكثير حدود الخسائر العسكرية والمادية. من هنا فإن بعض المعلومات غير الرسمية تفيد بأن لبنان سيحمل معه في 29 الشهر الجاري وفي 2 حزيران المقبل بعض المفاجآت غير المنتظرة، والتي من شأنها أن تجعل من المستحيل ممكنًا. وهذا ما قصده رئيس الجمهورية عندما قال بأنه سيفعل المستحيل من أجل انقاذ لبنان مما يتخبط به حاليًا.
لكن في المقابل، لا يبدو أنّ الطريق إلى التسوية سيكون سهلاً أو سريعًا. فالفجوة لا تزال واسعة بين ما تطلبه إسرائيل من ضمانات أمنية طويلة الأمد، وبين ما يعتبره لبنان مساسًا بسيادته أو محاولة لفرض وقائع سياسية تحت النار. وبين هذين السقفَين، تبقى واشنطن تحاول تدوير الزوايا ومنع انهيار المفاوضات، إدراكًا منها أنّ فشل المسار الديبلوماسي قد يعيد المنطقة بأكملها إلى حافة انفجار يصعب احتواؤه لاحقًا.