يدخل
لبنان مرحلة بالغة الدقة، على وقع تسارع لافت في التطوّرات الإقليميّة خلال الساعات الأخيرة، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اقتراب بلاده من التوصّل إلى اتفاق مع
إيران. هذا التطوّر يوحي بأنّ المسار الدولي يتّجه نحو تفاهم أوسع، قد يشكّل مدخلاً لوقف الحرب في المنطقة وإعادة رسم التوازنات.
في هذا السياق، يترقّب لبنان تداعيات أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، انطلاقًا من حقيقة أنّ الساحة اللبنانيّة تبقى من أكثر الساحات تأثّراً بالتفاهمات الأميركيّة – الإيرانيّة. ويكتسب هذا المشهد حساسيّة إضافيّة مع اقتراب موعد الاجتماع العسكري اللبناني –
الإسرائيلي المرتقب في البنتاغون في 29 أيّار، والذي يُفترض أن يمهّد لمسار سياسي أوسع قد ينطلق خلال شهر حزيران. غير أنّ المؤشّرات الداخليّة لا تزال حذرة، بل تميل إلى التشاؤم، في ظلّ استمرار التصعيد الإسرائيلي على الأرض، ما يضع علامات استفهام حول جدّية أي مسار تهدئة.
في موازاة ذلك، كشف موقع أكسيوس عن معطيات لافتة تتّصل بالملف اللبناني، ناقلاً عن مسؤول أميركي أنّ البيت الأبيض يسعى إلى حسم النقاط العالقة خلال ساعات، تمهيداً للإعلان عن اتفاق مع إيران. وبحسب هذه التسريبات، فإنّ مشروع مذكّرة التفاهم لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتدّ ليشمل بنوداً إقليميّة، من بينها إنهاء الحرب بين
إسرائيل و«حزب الله».
وسط هذه الاجواء رفع
حزب الله من سقف الاعتراض الداخلي إلى مستوى جديد، فدعا الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الحكومة إلى الرحيل في حال لم تكن قادرة على تحقيق طلبات الناس، من قضية التحرير إلى معالجة مشكلاتها الداخلية. لكنه رفع السقف إلى أعلى عندما حذر السلطة من محاولة إقفال القرض الحسن، مهدداً باللجوء إلى الشارع، حيث سيخرج الناس ليدافعوا عن حقهم في هذه المؤسسة التي تخدم مئات الألوف من الناس سنوياً.
وفي ما خص المواجهات مع العدو والمفاوضات، كرر قاسم رفض التفاوض المباشر، وأكد في المقابل أن المقاومة مستمرة في مواجهة العدوان، ولن تسلم سلاحها قبل التوصل إلى استراتيجية دفاعية واضحة من جانب الدولة.
وفي كلمة له لمناسبة عيد المقاومة والتحرير، أشار قاسم إلى أن 15 سنة من الاحتلال مع إنشاء ما سمي آنذاك بـ«جيش لبنان الجنوبي كان يريد العدو عبره أن يحقق أطماعه في لبنان، لكن ضربات المقاومة أجبرت العدو على الخروج من المنطقة الحدودية عام 2000».
ورد
وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو على مواقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. معلناً عن «إدانة دعوة حزب الله المتهوّرة للإطاحة بالحكومة
اللبنانية المنتخبة ديمقراطياً». وأضاف «لقد تجاهل حزب الله الدعوات المتكررة من الحكومة اللبنانية الشرعية لوقف هجماته واحترام وقف إطلاق النار. وبدلاً من ذلك، واصل إطلاق النار على المواقع
الإسرائيلية ونقل المقاتلين والأسلحة إلى جنوب لبنان، بينما تعمل الحكومة اللبنانية على تحقيق التعافي وإعادة الإعمار والمساعدات الدولية ومستقبل مستقر لمواطنيها بدعم كامل من
الولايات المتحدة. وعلى النقيض من ذلك، يسعى حزب الله بشكل نشط إلى جرّ لبنان مجدداً إلى الفوضى والدمار». وختم بالقول إن بلاده «تقف إلى جانب الحكومة اللبنانية الشرعية بينما تعمل
على استعادة سلطتها وبناء مستقبل أفضل لجميع أبناء شعبها. ولن يُسمح لتهديدات حزب الله بالعنف والإطاحة أن تنجح. إن الحقبة التي كانت فيها جماعة إرهابية تحتجز بلداً بأكمله رهينة تقترب من نهايتها».
وفي ردّ على تهديدات قاسم للحكومة، أشارت مصادر وزارية لـ"نداء الوطن" إلى أن "الأمين العام" غرق في بحر من المغالطات والانفصال التام عن الواقع في كل ما ساقه من اتهامات. ووضعت المصادر قاسم أمام مرآة تناقضه الفاضح، داعية إياه إلى سحب وزرائه فورًا قبل توزيع صكوك الوطنية؛ إذ كيف يستقيم منطقيًّا وعقليًّا أن يرتضي البقاء شريكًا وممثلا في حكومة يدمغها بالخيانة ويتهمها بالتآمر على شعبها؟
من جهتها، اعتبرت مصادر رسمية أنّ تهديدات قاسم تُشكّل تطوّرًا سلبيًا وخطيرًا في موقف "حزب الله"، وتناقض ما يواصل نواب "الحزب" إعلانه عن تمسّكهم بالاستقرار في البلد والحفاظ على السلم الأهلي. وأضافت أنّ هذه المواقف تناقض، بشكل فاضح، مواقف
رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سبق أن حذّر من أي تحرك في الشارع، ورفض كل أنواع ردود الفعل السلبية التي تؤثر على وحدة اللبنانيين في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ لبنان.
واعتبرت مصادر رسمية أنّ خطاب قاسم بدا مُحضّرًا قبل كل ما استجدّ من وقائع ميدانية ودبلوماسية. فكل يوم يؤكد أنّ التطورات على الأرض لا تصله، وكأنه لا يسمع بتوسّع رقعة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يرى تهجير الجنوبيين ومعاناتهم، ولا يدرك كيف تتساقط البلدات والمدن. وأضافت أنه لو سمع قاسم ما تقوله البيئة الجنوبية المهجّرة والمجروحة، لاستحى، وتحدث بكلام يداوي جراحها ويفتح أمامها أفق أمل، بدل تخوين الدولة التي تركض شمالا ويمينًا من أجل وقف إطلاق النار ووقف نزيف حرب الإسناد التي أدخل قاسم لبنان في أتونها كرمى لعيون إيران.
وتابعت: "المضحك المبكي أنّ قاسم تحدّث عن أنّ "الجمهورية الإسلامية" جلبت وقف إطلاق النار، فيما الحقيقة أن الشمس شارقة والناس قاشعة: إيران ذهبت إلى الهدنة وتركت "الحزب" فريسة لإسرائيل. ولو لم يقم رئيس الجمهورية جوزاف عون بمبادرته التي دعمتها واشنطن، ولولا التوصّل إلى وقف النار، ولو كان هشًّا، ثم تمديده مرة ثانية في جولة المفاوضات الثانية، لكانت
بيروت والضاحية والبقاع تُقصف يوميًا. فعمَّ يتحدث قاسم؟ ولماذا لم تبادر إيران إلى إطلاق رصاصة واحدة لإنقاذ "حزب الله" من نار إسرائيل؟".
وعلمت من مصادر مطلعة، أنّ بعبدا أجرت اتصالات بواشنطن لمعرفة حقيقة ما يُتداول عن شمول لبنان بوقف إطلاق النار ضمن هذه المفاوضات. لكن حتى ساعات متأخرة من ليل أمس، بقيت أجواء توقيع اتفاق بين أميركا وإيران غير واضحة وتميل إلى السلبية، وبالتالي لم يصل إلى لبنان أي جواب حاسم. وفيما يرفض قاسم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يبدو "حزب الله" مستعدًا للالتزام بأي تفاهم أميركي - إيراني إذا نضج، امتثالا لأوامر "الحرس الثوري" التي تقضي بضبط الجبهة اللبنانية وعدم عرقلة الصفقة.